: آخر تحديث

حالة الحرب والزحام على التحليل السياسي

2
3
2

لم يكن صمت بعض المؤسسات والنخب حول الحرب الحاليّة على دول الخليج مفاجئاً؛ فهم يتمنّون مثل هذه اللحظات، وهذا موثّقٌ في كُتبهم ومذكّراتهم وتاريخهم، ولهذا حديثٌ يطول. الفكرة الأساسية لديهم هي أنهم ضد مرحلةٍ تنمويةٍ صاعدةٍ لم تكن ضمن إطار النظريات الشمولية التي تغذّت على أمشاجٍ من الإسلامويّة والقومية والبعثية.

لطالما مثلت الرؤية الفلسفية للحدث السياسي جزءاً أصيلاً من تاريخ الأزمات ومفهوم الأحداث بمعناها العميق. وما كانت الفلسفة بعيدةً عن السياسة منذ الإغريق وحتى اليوم. الفلاسفة يزنون الأمور بطريقةٍ تختلف عن اليوميات وعن الصيغ الشعبية. ثمة آثار خالدة للنظرية السياسية تبيّن أن النظرة من زوايا أخرى غير اعتيادية ضرورة لأي حدثٍ كبير.

ولا غرابة، فالفلسفة تكمن حيويّتها في إيقاظ السبات، كما يعبّر كانط ممتناً لديفيد هيوم. والفلاسفة يزنون الحدَث بدقةٍ شديدة، وبخاصةٍ مع الأحداث الكثيفة التي مرّت عليهم منذ الحروب الأهلية، وحتى الحروب الدينية وليس انتهاءً بالحربين العالميتين. إنهم لا يتداخلون مع الحدث بوصفهم خبراء سياسيين، وإنما يعثرون على نظرةٍ تصعب على غيرهم.

فلكل حدثٍ كوامنُه الاجتماعية والعقائدية والتاريخية، ثم يأتي التسبيب السياسي للحدث بمرحلةٍ تالية. ممن اشتهر بالتدقيق بالحدث السياسي الفيلسوف هيغل، حيث تضمّن نتاجه بعمومه وبخاصة كتابه: «أصول فلسفة الحق» نظرياتٍ سياسية مؤثرة، أثّرت بطريقةٍ أو بأخرى على لاحقيه. وهناك كتاب يلخص ذلك للدكتور إمام عبد الفتاح إمام بعنوان: «دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل».

لقد تطرّق المؤلف-إمام عبد الفتاح إمام- في فصلٍ آخر لكتابات هيغل السياسية المتأخرة، وبخاصةٍ في نضج موقفه من الثورة الفرنسية، التي اندفع معها في البداية، ثم شنّ عليها هجوماً شرساً، لأنها لم تجلب إلا الخراب والدمار، وعلى إثر ذلك شغب عليه بعض مريديه المتحمسين، وما كانوا مدركين أن هيغل نظر إلى الحدث بشكلٍ صارم.

إنَّ الفلسفة ليست معنيّة بالخبر بقدر ما تعتني بالأثر. الخبر يلقي القصّة على الفيلسوف ثم يبوبها ضمن مجاله النظري، تنسى الجموع الخبر مع التقادم، ولكن ما يَخلُد هو النظرة الفلسفية الفاحصة. لنقرأ عن الأحداث الكبرى التي حوّلت البشرية، وكيف قُرئت عند الفلاسفة، وأبرز مثالٍ على ذلك الحربان العالميتان وآثارهما الكارثية. من الضروري سير النظرية الفلسفية للحدَث ضمن مجالاتٍ وزوايا لا تبدو للعيان.

والكارثة أنَّ التحليل السياسي الآن وادعاء الفهم الاستراتيجي فقيرٌ وعاجز عن التأسيس النظري، مما مكّن البعض من الظهور الدائم بشكلٍ غير مفيد، وأسس ذلك لموجةٍ من الثرثرة المزعجة التي تضرّ ولا تفيد، وغاياتها في الغالب الترويج الشخصي لا الدفاع عن المشروع التنموي الصاعد.

بمعنى آخر؛ فإنَّ إنتاج نظرياتٍ ومقولاتٍ تجتهد نحو درس على جميع المستويات بين النخب والمثقفين ضروري على غرار ما فعله المبدعون مثل صموئيل هنتنغتون أو فرنسيس فوكوياما ومن بعدهما إدغار موران، الذي يتداخل مع الأحداث في الحوارات والنقاشات وورش العمل، ولكن ضمن رؤية فلسفية بعيدة الأمد لا يمكن للتقادم الزمني أن يفقدها حيويتها وراهنيتها.

الخلاصة، أنَّ الحدث الحربي الحالي من الضروري تلقّفه بتحليلٍ نظري بالتزامن مع التبويب الخبَري، من هنا نكون أكثر قدرةً على درسه وتحليله، والاعتبار منه، ليكون ضمن النظريّة الفلسفية السياسية على المفيدة على المدى البعيد. إنَّ تسطيح الأحداث السياسية ومعاركها لن يؤسس لحدث نظريّ يمكن أن يفيد، نعم؛ نحن نعيش أجواء حربٍ ضرورية، وإنما الغرض من هذا النقد أن نوجّه اللوم إلى من يحلّل من غير خبرةٍ ولا نظريةٍ وإنما بأساليب إنشائية لا تضر الخصم ولا تنفع الصديق، العبرة بالعمل الحقيقي، والنيّة الصادقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد