في زمن تتكاثر فيه الأزماتُ وتتراجع فيه حكمةُ التاريخ أمامَ ضجيجِ السياسة اليومية، تبدو بعضُ الحكاياتِ الصغيرة قادرةً على إعادة ترتيب علاقتنا بالماضي، لا بوصفه عبئاً على الحاضر، بل باعتباره إمكانية للفهم واستخلاص المعنى، وربما للتقارب.
من بين هذه الحكايات، ما يرويه الوزير الأول الموريتاني الأسبق (2005 - 2007)، وسفير بلاده بعد ذلك في مدريد، سيدي محمد ولد بوبكر، عن دعوة تلقاها من الجيش الإسباني للمشاركة في احتفالية عسكرية لم يكن يدرك في البداية معناها.
ويضيف أنه بعد وصوله إلى مدريد في أحد أيام الربيع الجميلة من سنة 2008، تلقى مكالمة هاتفية من رئيس الأركان العامة للجيوش الإسبانية الجنرال سانز رولدان، الذي كان حينها الشخصية العسكرية الثانية في إسبانيا بعد الملك خوان كارلوس الأول القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث دعاه إلى تناول الشاي في مكتبه، مشيراً إلى أنها دعوة شخصية لا تكتسي أي صبغة رسمية. وقد فاجأته الدعوة؛ إذ لم تكن له معرفة سابقة بالرجل، ولم يكن على علم بوجود ملف من ملفات التعاون العسكري بين البلدين في ذلك الوقت يستدعي مثل هذا اللقاء.
ويتابع أنه حين ذهب إليه، استقبله بحفاوة في مكتبه الواقع على مقربة من شارع «الباسيو دي لا كاستيانا»، حيث يحلو جو العاصمة الإسبانية عندما تورق الأشجار وتتفتح الأزهار على جنبات شوارع مدريد وميادينها الفسيحة. وهناك، وجد الجنرال قد نثر على طاولة مستديرة وسط مكتبه خرائط قديمة لقرية صغيرة اسمها «أقليش» (Uclés)، تبعد نحو 90 كيلومتراً عن مدريد، موضحاً أنها مسقط رأسه، وأن لها خصوصية تاريخية هي سر هذه الدعوة. ثم أشار إلى إحدى الخرائط قائلاً إنه في هذا المكان بالذات، قبل تسعة قرون، وبالتحديد في 29 مايو (أيار) 1108، دارت معركة فاصلة بين المرابطين والجيش الإسباني، هي معركة أقليش (Uclés)، التي انتهت بانتصار قوات المرابطين في واحدة من أبرز مواجهات تلك المرحلة.
لم تكن الدعوة عادية؛ إذ طلب الجانب الإسباني مشاركة وحدة من الجيش الموريتاني في إحياء ذكرى معركة تعود إلى قرون بعيدة. بدا الأمر، في ظاهره، أقرب إلى مفارقة تاريخية: كيف يُدعى جيش من جنوب الصحراء للمشاركة في إحياء ذكرى معركة جرت على الضفة الأخرى من المتوسط؟ غير أن الإجابة التي تلقاها السفير من قائد الجيش الإسباني كانت كفيلة بتغيير زاوية النظر بالكامل: «إنها إحدى المعارك التي كان النصر فيها لجيشكم».
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد دعوة بروتوكولية، بل تحول استدعاءً لذاكرة عميقة، تختلط فيها الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك فيها السرديات بين ضفتي المتوسط. عاد السفير إلى كتب التاريخ، لا بدافع التشكيك، بل رغبةً في الفهم، بعيداً عن مجاملات اللحظة الدبلوماسية. وحين حضر الاستعراض العسكري، ورأى العَلم الموريتاني ضمن تشكيل رسمي في احتفالية إسبانية، أدرك أن التاريخ، مهما بدا بعيداً أو مثقلاً بالصراعات، يمكن أن يُعاد توظيفه ليصبح منتجاً للغة مشتركة.
هذه القصة، في ظاهرها، بسيطة. لكنَّها تكشف عن طبقات عميقة من العلاقة بين شمال أفريقيا وشبه الجزيرة الآيبيرية. فالأندلس ليست مجرد فصل من الماضي الإسلامي في أوروبا، بل هي أيضاً ذاكرة ممتدة في الوعي المغاربي، تحمل معاني الفقد بقدر ما تحمل إشارات الحضور المستمر. وما زالت هذه الذاكرة، رغم توالي القرون، قادرة على التحرك في وجدان المجتمعات، وعلى التأثير في قرارات تبدو، للوهلة الأولى، سياسية أو بروتوكولية.
غير أنَّ اللافت في هذه الواقعة ليس فقط استدعاء التاريخ، بل الطريقة التي تم بها ذلك الاستدعاء. فإسبانيا الكاثوليكية، التي خاضت حروباً طويلة مع المسلمين في الأندلس، اختارت أن تستحضر اليوم لحظة انتصار «الآخر»، لا لتأكيد الهزيمة، بل لتكريس نوع من المصالحة مع الماضي. وهو اختيار يعكس تطوراً جوهرياً في قراءة التاريخ، من كونه سجلاً للصراع، إلى كونه مساحة للاعتراف المتبادل.
في المقابل، فإنَّ استجابة موريتانيا السريعة للدعوة تكشف بدورها عن عمق هذا الارتباط الرمزي بالأندلس. فموريتانيا، رغم بعدها الجغرافي النسبي، ظلت جزءاً من المجال الثقافي والعلمي الذي كان يتغذى من الأندلس، سواء عبر العلماء أو الرحلات أو شبكات المعرفة. ولذلك؛ لم تكن المشاركة مجرد حضور عسكري، بل كانت، في جوهرها، تعبيراً عن انتماء حضاري يتجاوز الحدود الحديثة.
هنا تبرز مفارقة لافتة: فبينما تنشغل السياسات الراهنة في كثير من الأحيان بإغلاق الحدود وتشديد الرقابة، يفتح التاريخ، في لحظات معينة، نوافذ غير متوقعة للتواصل. بل إنَّ هذه النوافذ قد تكون أكثر صدقاً من الخطابات الرسمية؛ لأنَّها تستند إلى ذاكرة مشتركة، لا إلى مصالح ظرفية عابرة.
لكن هذه القدرة على تحويل التاريخ جسراً للتواصل، بدل أن يكون ساحة للصراع، ليست تلقائية. فهي تتطلب شجاعة فكرية في مواجهة الماضي، واستعداداً للاعتراف بتعقيداته، بعيداً عن السرديات الأحادية. كما تتطلب أيضاً وعياً بأن الذاكرة ليست ملكاً لطرف واحد، بل هي نتاج تفاعلات متعددة، قد تحمل في طياتها الألم، لكنها تحمل أيضاً إمكانات الفهم.
في هذا السياق، يمكن قراءة هذه الواقعة كدرس في الدبلوماسية الثقافية التي لا تعتمد فقط على الاتفاقيات والمصالح المباشرة، بل تستثمر أيضاً في الرموز والمعاني. فدعوة وحدة عسكرية موريتانية للمشاركة في احتفال إسباني بحدث تاريخي ليست مجرد حدث عابر، بل هي رسالة تقول إن الماضي، مهما كان مثقلاً بالصراع، يمكن أن يُعاد تأويله بطريقة تخدم الحاضر.
ولعل الأهم في هذه القصة هو ما تكشفه عن موقع الإنسان في كل هذا. فالسفير، وهو يقف شاهداً على الاستعراض، لم يكن مجرد ممثل لدولة، بل كان أيضاً فرداً يواجه تاريخه الشخصي والجماعي في آن واحد. وفي تلك اللحظة، يتقاطع الخاص مع العام، ويتحول الحدث من مناسبة رسمية إلى تجربة وجودية، تعيد طرح سؤال الانتماء.
في نهاية المطاف، لا يقدم لنا التاريخ دوماً أجوبة جاهزة، لكنه بالمقابل يمنحنا أدوات للفهم. وإذا كان في وسعه أن يكون مصدراً للنزاعات والحروب، فإنه قادر أيضاً، كما في هذه الحكاية، على أن يصبح جسراً غير مرئي، يربط بين ضفاف متباعدة، ويمنح معنى جديداً لفكرة العيش المشترك، حتى لمن دفعتهم الغربة بعيداً، إلى ما وراء بحر الرمال.

