عبد الله سليمان الطليان
سوف أتناول الغضب هنا وتأثيره على صحة الجسد فقط، أما القول أو السلوك المصاحب له فهو يعرفه الكثير منا، ولعل نصيحة الرسول صل الله عليه وسلم خير مثال في (أنَّ رَجُلًا قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أوصِني، قال: لا تَغضَبْ. فرَدَّدَ مِرارًا، قال: لا تَغضَبْ) تفسيره بشكل مبسط انه يفسد اذا تجاوز الحد، دين ودنيا المسلم من الناحية الصحية هناك أبحاث ودراسات طبية سوف نعطي نبذة موجزة عنها من خلال هذا المقال، هناك نتيجة جزءا من مجموعة أكبر من الشواهد التي ظهرت في عشرات البحوث تشير إلى قوة تأثير الغضب في تدمير القلب. لم تصمد الفكرة القديمة القائلة إن نموذج الشخصية من المجموعة، التي يرتفع ضغطها سريعا معرضة بدرجة كبيرة الأمراض القلب، ومن هذه النظرة غير المؤكدة نشأت نتيجة جديدة هي: أن المشاعر العدائية تعرض الناس لخطر الأمراض.
جاءت كثير من البيانات المتعلقة بالعداوة من بحث قام به الدكتور ردفورد وليامز - بجامعة ديوك، حيث وجد (وليامز) أن الأطباء الذين حصلوا على أعلى الدرجات في اختبار العداوة، عندما كانوا طلبة في كلية الطب كان احتمال وفاتهم في سن الخمسين يزيد سبع مرات عن زملائهم الذين حصلوا على درجات منخفضة في اختبار (العداوة)، اتضح ان ميلهم للغضب كان مؤشرا قويا على وفاتهم في سن أصغر، وليس نتيجة العوامل الخطر الأخرى، مثل التدخين، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة الكولسترول، كما بينت نتائج أبحاث الدكتور، چون بيرفوت بجامعة نورث كارولينا، أن مرضى القلب الذين تجرى لهم عمليات تصوير شرايين القلب بإدخال أنبوب في الشريان التاجي لقياس حجم ما حدث به من تدمير، بينت النتائج ارتباط درجات اختبار (العدواة)، بمدى خطورة أمراض الشريان التاجي.
ومن الطبيعي ألا يكون الغضب وحده سبب أمراض الشريان التاجي. فهو عامل من بين عوامل أخرى متداخلة، وكما فسر لي الدكتور بيتر وفمان نائب رئيس فرع الطب السلوكي بمعهد القلب الوطني، هذا قائلاً: (لا نستطيع أن نحدد إذا كان الغضب والمشاعر العدائية. يلعبان دورا عرضيا في التطور المبكر الأمراض الشريان التاجي أو تعميق هذه المشكلة، أو كليهما بمجرد أن يبدأ مرض القلب.
ولكن إذا درسنا حالة شخص في العشرين من عمره ينفعل بالغضب بصورة متكررة نجد أن كل انفعال غضب عارض يضيف ضغطا إضافيا على القلب بزيارة معدل خفقانه وضغط الدم فيه، وعندما يتكرر هذا مرات ومرات، يمكن حدوث الضرر بالقلب... لأن اضطراب تدفق الدم داخل الشريان التاجي خاصة مع كل نبضة قلب،(يمكن أن يحدث تمزقا خفيفا في الشريان فينمو مصدر البلاء، فإذا زادت خفقات قلبك عن معدلها الطبيعي، وارتفع ضغط الدم لأنك معتاد على الغضب يؤدي هذا إلى حدوث الكارثة خلال ثلاثين عاما، فيصاب القلب بمرض الشريان التاجي).
وتؤثر الآليات التي حفزها الغضب في كفاءة القلب كمضخة بمجرد تطور مرض القلب، كما جاء في دراسة عن (أثر ذكريات الغضب في قلوب المرضى) هذا الأثر البحت يجعل الغضب عاملا مهلكا لمرضى القلب على وجه الخصوص، وقد أظهرت -على سبيل المثال- الدراسة التي قامت بها كلية الطب بجامعة ستانفورد على (1012) بين رجل وامرأة اصيبوا بأول أزمة قلبية، ثم تابعت الدراسة حالتهم على مدى ثماني سنوات أظهرت أن الرجال الذين كانوا في البداية أكثر هجومية وعدوانية عانوا من معدل أعلى في الإصابة بالأزمة القلبية الثانية وجاءت نتائج متشابهة في دراسة أخرى قامت بها كلية الطب بجامعة (ييل) على 929 مريضا نجوا من ازمات قلبية وعاشوا بعدها عشر سنوات، بينت الدراسة أن احتمال الوفاة بالسكتة القلبية للفئة المعروفة سرعة الإثارة والانفعال بالغضب، تزيد ثلاث مرات عن المرضى هادئي الطباع. ويتفاقم خطر الغضب خمس مرات أخرى إذا كانت نسبة الكولسترول مرتفعة.
أبرز الباحثون في جامعة (ييل) أن الغضب وحده، قد لا يكون سبب ارتفاع معدل خطر الوفاة بأمراض القلب، إنما الانفعالية السلبية المكثفة من أي نوع كانت هي التي تؤدي إلى انبعاث هرمونات التوتر بانتظام في الجسم. وعموما، ترجع أقوى الروابط العملية بين الانفعالات وأمراض القلب إلى الغضب، وعلى سبيل المثال عندما سئل أكثر من 1500 رجل وامرأة تعرضوا الأزمات قلبية، عن حالتهم الانفعالية في الساعات التي سبقت الأزمة القلبية، وذلك في البحث الذي أجري في كلية طب جامعة هارفارد، تبين ان خطر السكتة القلبية قد تضاعف مع مزيد من الغضب منع مرضى القلب بالفعل، واستمر تزايد الخطر لمدة ساعتين تقريبا بعد إثارة انفعال الغضب.
ومن ناحية أخرى، هناك أخبار مبشرة، لن يكون الغضب المزمن حكما بالإعدام. والعداوة عادة يمكن تغييرها، سُجلت مجموعة من مرضى الأزمة القلبية بجامعة ستانفورد في برنامج خصص لمساعدتهم في تخفيف المواقف التي تعملهم سريعي الغضب، نتج عن تدريبهم السيطرة على انفعال الغضب انخفاض في معدل حدوث الأزمة القلبية الثابتة بنسبة %44 على من لم يحاولوا تغيير انفعالاتهم العدائية. حقق البرنامج الذي وضعه (وليامز) نتائج مفيدة مشابهة. يعلم هذا البرنامج مثل برنامج (ستانفورد) عناصر الذكاء العاطفي الأساسية، وخاصة التنبه عند بداية إثارة الغضب، والقدرة على تنظيمه بمجرد بدايته، والإحساس بالتعاطف، ويطلب من المرضى تسجيل أفكارهم العدائية بسرعة، ومحاولة إيقافها إذا استمر معهم ويشجع هؤلاء المرضى عمدا باستبدال أفكارهم العدائية القاسية بأفكار معقولة من خلال المواقف التي تتم فيها التجربة، فإذا تأخر المصعد - مثلا يبحث عن سبب لا إرادي في تأخيره بدلا من اندلاع الغضب ضد شخص مجهول متخيل، ويتعلم هؤلاء أيضا القدرة على الأشياء من منظور الآخرين. فالتعاطف -حقا- هو بلسم الغضب.
أتمنى من الله لكم الصحة والعافية..

