منطقتنا لم تعدم أبداً نماذجَ ثورية، بإمكانك أن تقيسض عليها وتختبر صحةَ التشخيص والسيناريو، مهما اختلفتِ المنطلقات الآيديولوجية من دينية إلى عروبية إلى بعثية.
تبدأ الأنظمةُ الثورية حياتَها السياسية بمغامراتٍ لا منطقية لا تلبث أن تفشل. الفشل احتمالٌ وارد، ولكنَّ ردَّ فعل الأنظمة الثورية عليه يجعل فشلَها أخطرَ من فشل غيرها. يجعله فشلاً مقيماً مخادعاً يسحبك إلى أسفل بالتدريج وأنت سعيد، ومستشرف. حتى إن لمست القاعَ فلن تنتبه وقد نزلت على سلم حلزوني فلم ترتطم ولم تتألم.
متابعة الفشل المقيم تبدأ بعجز اضطراري عن الاستمرار. الإنسان الطبيعي إن فشل راجعَ نفسه وعدَّل مساره واختار ألا يستمر في طريقه. أمَّا الثوري حين يفشل يبحث عن مبررات، ربَّما مؤامرة من الأعداء، أو خذلان من الأصدقاء. وهذه ليست خانة المراجعة؛ بل خانة التربص والتحيُّن.
وتلك حال مُرضِية نفسياً لأناه المتضخمة، ولكنَّها مدمرة سياسياً؛ إذ تجعل خياره المثالي الرفض والتعطيل. به يملك الأمل في لحظة انقضاض.
ذهنية الرفض والتعطيل هي الدرجة الثانية في المسار النفسي للثوري الفاشل. وهي ليست نهاية المطاف. خراب أكثرُ خداعاً قادمٌ في الطريق.
بدأت جميعاً من تمجيد تصورٍ خيالي، ثم تمجيد مغامرة، وانتهت إلى تمجيد الرفض.
التعطيل يمنح الثوري شعوراً زائفاً بدوام التأثير، وبأنه يعاقب العدو المتآمر والصديق المتخاذل. ربما يعاقبهم بالفعل، ولكنه يعاقب نفسه.
في هذه المرحلة الثالثة، والطويلة، الدرجة التسعون من الحفرة لن تختلف عنده كثيراً عن الحادية والتسعين، والثانية والتسعين. لقد فقد هذا النظام القديم القدرة على إدراك ما يطرأ على وضعه. تحوُّلُ الصديقِ الودود إلى متململ لن يلفت نظره. وتقلص أمله من تغيير العالم إلى استمرار القدرة على قول «لا» لن يلفت نظره. التعطيل الذي كان سوطاً في يد الثوري القديم تحول إلى حبل يكبله ويقيد يديه وقد يخنقه. لقد تماهى في «اللا» وصارت طبيعة ثانية.
لم تعد «اللا» مجرد خيار يقف على قدم المساواة مع الخيارات الأخرى وتجري المفاضلة بينهما حسب المصلحة السياسية. صارت «اللا» الخيار المجيد بألف ولام التعريف، دلالة على الحق في حد ذاتها. وعنواناً للعزة بمحض نطقها. ما تمليه عليه يقبله بلا جدال؛ بل بغرض الطاعة والاستقامة. لقد تحولت «اللا» من أداة إلى سيد. ومن وسيلة إلى غاية. ومن مسلك إلى وجهة. ومن كلمة إلى نص مقدس. لقد بيعت إلى الجماهير على أنها علامة الصحة ودليل الفخر.
كلّ اتجاه صار محفوفاً بـ«لا» ضخمة، وهي تسد الأفق فلا يرى الناظر إليها ما يدور في العالم خلف ظهرها. لا يرى أن الناس تجاوزتها وسلكت طرقاً أخرى. ولا يرى الثوريُّ وورثته أنَّ لافتات «اللا» تحولت إلى جدران معبد يعتقدون أن طول بقائهم فيه يمكِّنهم من النعيم.
لا يدركون أنَّهم في الحقيقة صاروا «أرِقَّاء اللا».

