: آخر تحديث

تجديد خطاب المواعظ الرمضانية

3
3
4

علي الخزيم

كنَّا رِفقَة نسير بالسيارة، وقد رُفِع أذان العصر فكان الرأي أن نقف عند أقرب مسجد للصلاة؛ وبعد أن سَلّم الإمام بَرَز أحدهم خطيبًا واعظًا ليؤكد بأن صيام رمضان ركن مِن أركان الإسلام؛ وأخذ يُكرر ويعيد لتأكيد المؤكَّد؛ ومع اجتهاده -أحسن الله إليه- غير أن الملل قد أصاب الكثير وأخذوا بالتسلل والانصراف حتى لم يبق إلَّا القليل من المصلين، وقد أجِد لهم بعض العذر: ذلكم أن الخطاب بمثل ذاك الوقت وكونه مكررا وجلّه محفوظًا قد لا يجتذب الكثير من الأسماع والعقول.

هنا لا أدَّعِي الفهم الوافر، ولا بأني المُوجّه البليغ؛ إلَّا إني أحاول أن أقيس مشاعر وأمزجة السامعين في مثل ذاك الموقف، ومنها ما مررت به؛ وما سمعته كثيرًا بمجالس رجال على قَدر من الوعي والتبصر بأمور الدين والشرع؛ وتميل آراؤهم إلى أهمية وضرورة انتهاج الخطيب والواعظ لطرق وأساليب جاذبة محببة تطرد الملل والنعاس عن المستمعين والمأمومين؛ فأسلوب الخطاب بالعناصر المشوقة يشد المسامع، وإن كان الموضوع هو ذات الموضوع سالف الذكر، ومع هذا: الحاجة تدعو لطَرق وتناول مسائل وموضوعات مهمة متعددة يتطلّع المجتمع لتوضيحها.

ولئن اجتهدت بالرأي فسأورد -مستعينًا بالله سبحانه- جملة من الوقفات لعل بها ما يفيد: فعند الإشارة لترك الإسراف بالطعام والمشارب - وإن كانت حلالًا مباحًا، يَحسُن أن نشدد أيضًا على تجنب الكسب الحرام وأكل الأموال بالباطل؛ فَمَا بين أيدينا (من المُشتبه) ساعة الإفطار نتنعّم بلذته تلك الهنيهة لكن إثمه عظيم يتجرعه الظالم حسرة يوم الحساب؛ فكيف يستسيغ أحد مِنَّا الحرام وهو يصوم لله بركن مِن أركان الإسلام في تناقض مُريع لا يقبله عقل سَوِي؛ ومثله مَن يحتكر أثمان البضائع أو يُؤتَمن على مال أيتام أو مواريث؛ أو يكون مسؤولًا عن أموال شركات ومؤسسات تجارية فيختلس ما أمكنه منها ثم يقدمه لأسرته وضيوفه فأي ذنب وإثم يرتكبه؟!

ومن جميل الوعظ وأفضله التذكير برد المظالم لأهلها؛ ورد أموال الناس لأصحابها؛ فمَن كان بيده سُلفة أو بذمته دَين لأحد فليبادر بتطهير نفسه منها ويؤدي الأمانات لأهلها؛ فلا جدوى من صيام وصدقة قبل رد الحقوق لأصحابها، فهذا هو الأولى قبيل الشهر الكريم لتَزكَى النفوس ولتطهر الذمم مِمَّا يَشُوبها، والتأكيد على أن حقوق العباد مُعلقة برقابهم ولا فكاك منها إلَّا بتسويتها مع التوبة والنيّة بعدم العودة لمثلها؛ والتنبيه على عظم صلة الرحم وبر الوالدين وتوقير الكبير ورحمة الصغير؛ وأمانة المسؤولية تجاه الأهل والأسرة وسلوك الأولاد.

ومَن اقترف جريمة بالغَدر والخديعة لأحد مِن خلق الله قريبًا كان أو بعيدًا؛ صغرت المَظلَمة أو كبرت: فليستثمر أيام رمضان للتخلص من الآثام المترتبة عليها ويجتهد بذلك، ولا يخجل من الاعتذار وطلب العفو من المظلوم؛ فهو أهون من تراكم الآثام والذنوب؛ فحقوق العباد لا تضيع، وأن الشهر الفضيل فرصة سانحة لمَن ابتلي بآفة تعاطي التدخين وأمثالها؛ وكذلك المسكرات والمُفتِّرات والمخدرات، والحق إنها أيام لا تُفَوَّت لكسب أجر الامتثال لأوامر الشرع الإلهية وليجني الصائم ثمرة صيامه المشروعة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد