: آخر تحديث

الأحساء.. حين تتحول الميزة المحلية إلى اقتصاد مستدام

4
3
4

في خريطة التحولات التنموية التي تشهدها المملكة، لم تعد المدن مجرد مساحات عمرانية تُدار بالخدمات، بل كيانات اقتصادية واجتماعية تبحث عن أدوات تنطلق من خصوصيتها، وتستثمر ما تملكه من موارد مادية ورمزية، لتصنع أثرًا مستدامًا يتجاوز اللحظة والحدث. وفي هذا السياق، تبرز الأحساء بوصفها نموذجًا لمدينة تقرأ مواردها جيدًا، وتعيد توظيفها ضمن مسار اقتصادي واعٍ، تقوده الهوية المحلية، وتدعمه الرؤية الوطنية.

الأحساء، بتاريخها الزراعي العريق، وبمكانتها كأكبر واحة نخيل في العالم، تمتلك ميزة نسبية لا يمكن فصلها عن سرديتها الاقتصادية. وحين يُطرح سؤال التنمية فيها فإن الإجابة لا تأتي من خارج المكان، بل من صميمه: من النخيل، ومن الزراعة، ومن الثقافة المرتبطة بها. هنا، تبرز المهرجانات المتخصصة كأداة ذكية قادرة على تحويل هذا المورد الكامن إلى قيمة اقتصادية، حين تُدار بوصفها مشروعًا تنمويًا لا فعالية موسمية عابرة.

المدن بطبيعتها غير متشابهة، ومحاولات استنساخ النماذج التنموية غالبًا ما تصطدم بواقع مختلف في الموارد والاحتياجات. تجربة الأحساء تؤكد أن التنمية الأكثر فاعلية هي تلك التي تنطلق من سؤال: ماذا نملك؟ وكيف نحول ما نملك إلى فرصة إنتاج؟ مهرجان التمور في الأحساء يقدم إجابة عملية عن هذا السؤال، إذ تجاوز فكرة الاحتفاء بالمنتج الزراعي، ليصبح منصة اقتصادية وثقافية، تربط بين المزارع، والمصنع، والسوق، والزائر.

إشارات معالي وزير البلديات والإسكان خلال مهرجان التمور في الأحساء جاءت لتعزز هذا المسار، وتمنحه بعدًا سياساتيًا واضحًا. حديثه لم يكن عن مهرجان بحد ذاته، بل عن فلسفة تنموية ترى في المدن وحدات إنتاج قادرة على إدارة مواردها، وبناء اقتصادها المحلي انطلاقًا من هويتها. هذا الطرح يضع الأحساء في قلب التحول، ويمنح الأمانات دورًا أوسع من التنظيم إلى القيادة التنموية.

حين تستثمر الأحساء في موردها الزراعي، فإنها لا تخلق فرصة واحدة، بل تبني دائرة اقتصادية متكاملة. الزراعة تتحول من نشاط أولي إلى سلسلة قيمة تشمل التصنيع الغذائي، والتغليف، والتسويق. والسياحة لا تأتي فقط لزيارة موقع، بل لخوض تجربة متكاملة تتداخل فيها المنتجات المحلية، والحرف، والفعاليات، والفضاءات العامة. هذه الدائرة، حين تكتمل، تخلق نموًا متوازنًا، وتدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأنها ترتكز على المجتمع المحلي، وتفتح له مساحات المشاركة والإنتاج.

في قلب هذا النموذج، يبرز دور أمانة الأحساء بوصفها الفاعل المحوري. فتهيئة مواقع المهرجان، وتطوير الفضاءات العامة، وربط الفعالية بالمشهد الحضري، ليست أعمالًا تشغيلية بحتة، بل أدوات تنموية حين تُدار برؤية اقتصادية. قرب الأمانة من تفاصيل المدينة، ومعرفتها الدقيقة بواقعها واحتياجاتها، يمنحها قدرة فريدة على صياغة تنمية تقاد من الداخل، وتعكس طموحات المجتمع المحلي لا افتراضات خارجية.

حديث الوزير ركز بوضوح على أن بناء اقتصاد مزدهر يبدأ من تمكين المدن من إدارة مواردها، وخلق فرص مرتبطة بهويتها. وفي الأحساء، تتجسد هذه الرؤية في تحويل النخيل من رمز تراثي إلى محور اقتصادي تتفرع منه صناعات، وفرص استثمار، وحراك سياحي متنامٍ. هذا التمكين لا يقتصر على البنية التحتية، بل يشمل بناء القدرات، وتطوير نماذج العمل، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي.

تجربة الأحساء مع مهرجان التمور تفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل التنمية المحلية في المملكة. فهي تقدم مثالًا على كيف يمكن للفعاليات المتخصصة أن تتحول من مناسبات موسمية إلى أدوات استراتيجية طويلة الأمد، تسهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، وتعيد رسم العلاقة بين المدينة واقتصادها. في هذا النموذج، لا تكون الفعالية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء اقتصاد محلي أكثر تنوعًا واستدامة.

الرهان اليوم ليس على عدد المهرجانات، بل على عمقها، وعلى قدرتها على أن تكون امتدادًا لهوية المدينة، وجزءًا من اقتصادها الحقيقي. والأحساء، بما تملكه من موارد، وما تقدمه من تجربة، تؤكد أن الخصوصية حين تُدار بوعي، تتحول إلى قوة، وأن التنمية حين تنطلق من الداخل، تكون أكثر رسوخًا وأقرب إلى الناس. هنا، لا تكتفي المدينة بالاحتفاء بماضيها، بل تبني به مستقبلها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد