لم تثْنِ الحكومات الأوروبية عموماً شغف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاستحواذ على الجزيرة الجليدية غرينلاند التي وصفها بأنها جزيرة «دفاعهم زلاجتان تجرهما كلاب»، من إبداء فرنسا خشيتها من حالة مجتمعية وتستند إلى أرقام رسمية أعلنها «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية»، وتفيد بأن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في عام 2025 للمرة الأُولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذا في نظر المهتمين بعِلْم الاجتماع والإحصاء السكاني مؤشر مقلق؛ كونه يتزامن مع زيادة ملحوظة لكبار السن.
والذي تشكو فرنسا منه يشمل دولاً أوروبية كثيرة تتسع فيها ظاهرة المثلية التي لا تأخذ بمفهوم العائلة مِن حيث أنها أب وأم وأطفال. وتساهم بعض الحكومات في هذا الأمر من خلال تصنيفها المثليين بأنهم مجتمع له كامل الحقوق في الحياة، وعلى المجتمع أن يتقَبلهم.
وعندما تكون تلك هي الحال، فمن الطبيعي أن دولاً أوروبية ودولاً أُخرى ستشكو مما تنبهت له فرنسا حديثاً. ومن تداعيات الشكوى أن هذه الدول لن تجد على المدى البعيد، ما دامت نسبة الولادات على ما هي عليه، العنصر البشري الذي يحمي البلاد من خلال التطوع في الجيش. مما يعتبر جرس إنذار بأن الدول التي كانت ذات شأن عسكري تعاني اليوم من تراجع في الولادات، ومن زيادة في كِبار السن، ومن أهوال الحروب الكبرى الماثلة في المشهد الدولي.
في المقابل، فإن هذا الضمور في الولادات الفرنسية والأوروبية عموماً، الذي تشكو منه فرنسا، يمثل شكوى مدعاة قلق لدى الحكومة السويسرية التي تشهد اختلالاً في تركيبتها السكانية نتيجة انخفاض عدد السكان بفعل عدم التوالد... تعيشه مصر بصيغة معاكسة.
منذ كانت مصر عشرين مليوناً في الخمسينات، ووصلت إلى أكثر من مائة مليون نسمة حالياً، والدولة المصرية منشغلة البال بموضوع الولادات. ولقد كثُرت الإرشادات وتنوعت الخطوات منذ زمن الرئيس جمال عبد الناصر إلى زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولكن تزايُد الولادات بقي على حاله حتى رغم التحذير من أن أي درجة في سُلّم زيادة المواليد تعني انخفاضاً في مستوى المعيشة، بل إن أزمة كثرة الولادات التي لم تحلّها العهود السابقة أوجبت على الرئيس السيسي أن يقول قبْل ثماني سنوات: «إن أكبر خطريْن يواجهان مصر هما الإرهاب والزيادة السكانية التي تقلل فُرص مصر في النظر إلى الأمام». كما أوجبت على أهل الفتوى إبداء الرأي في ذلك. ولكن لا التزام بالنصح، ولا الأخذ بالمحاذير التي أوجز عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو (تموز) حسين الشافعي في زمن عبد الناصر مخاطر الإكثار من الولادات بعبارة جاء فيها: «أن ننجب عيالاً بلا قيد ولا شرط، ذلك هو القتل بعينه».
ما تشكو منه مصر يقابله قلق الدولة الإسلامية الكبرى تركيا على درجة من التشابه بالقلق السويسري والقلق الفرنسي. ويتمثل القلق في تقرير إحصائي رسمي يفيد بأن الانخفاض في معدلات المواليد سينخفض بعد ثلاثة أرباع القرن بحيث يصل إلى 25 مليون نسمة بحلول عام 2100. هنا يلفت الانتباه شعور الرئيس رجب طيب إردوغان بالقلق من هذا «المصير»، ويقول خلال مناسبة احتفالية: «يجب أن نزيد نسلنا. وعندما نتحدث إلى بعض بني قومنا نجدهم لا يحبذون زيادة عدد السكان، لكني أقول لديّ تسعة أحفاد. والحد الأدنى لإنجاب العائلة التركية ينبغي أن يكون على الأقل ثلاثة أطفال. باعتبارنا أمة إسلامية نرى ضرورة زيادة المواليد».
تبقى مسألة من الواجب أخْذها في الاعتبار، وهي أن الحديث المتزايد من مرجعيات دولية عن احتمالات الحرب التي ستكون ربما احتلالات أو اختطافات أو اقتطاع أراضٍ، مما يوحي بحصول أهوال تعصف بأوطان بما فيها من مواليد أو مسنّين، هو من جملة الدوافع إلى أن لا رغبة في مزيد من المواليد خشية أن يبادوا بفعل حرب كونية متقطعة، على نحو ما لاقاه عشرات الألوف من المواليد في غزة وجنوب لبنان والسودان. وهنا يصبح النأي عن زيادة الولادات، في جانب منه، حرصاً على حياة أطفال يموتون حرقاً أو جوعاً أو غرقاً.

