: آخر تحديث

المهارة التي تسبق شهادتك وتتفوق على خبرتك

3
5
4

في عالم الأعمال لا تسقط الفرص بسبب نقص المعرفة فقط، بل بسبب سوء إدارة النفس. ولا تنهار العلاقات المهنية بسبب غياب المهارة الفنية، بل بسبب غياب القدرة على قراءة المشهد الإنساني من الداخل، فالمنظمات لا تتحرك وفق الجداول وحدها، بل وفق المزاج العام وحساسية الأشخاص وخريطة التأثير غير المكتوبة داخل كل فريق.

هناك اعتقاد منتشر أن النجاح ابن الشهادة وحفيد الخبرة، لكن الواقع أكثر تعقيدا، قد تملك معرفة واسعة ثم تخسر أثرها لأنك دخلت النقاش بعقل منتصر لا بعقل مستمع، وقد تكون صاحب خبرة قوية ثم تضعف حين يتحول الضغط إلى انفعال وحين يصبح النقد استفزازاً وحين تتحول الملاحظة إلى تهديد.

الذكاء العاطفي هو القدرة على إدارة نفسك في اللحظة التي تريد فيها أن ترد بعصبية، وهو القدرة على فهم الآخر في اللحظة التي تتصور فيها أنه يقصد الإساءة، وهو فن ضبط رد الفعل قبل أن يصبح قراراً، وهو فن اختيار العبارة قبل أن تتحول إلى أزمة، هي ليست صفة لطيفة تضاف إلى الشخصية، بل أداة بقاء داخل بيئة لا تدار بالمنطق وحده.

الشهادة تقول إنك تعلمت، أما الذكاء العاطفي فيقول إنك تستطيع أن تعمل مع البشر، والمنظمات لا تكافئ من يعرف فقط، بل تكافئ من يعرف كيف يتصرف حين لا تسير الأمور كما يريد، لهذا تسبق هذه المهارة شهادتك لأنها تعمل قبل أن تتكلم وقبل أن تكتب وقبل أن تدافع عن نفسك.

في العمل قد يبدو كل شيء هادئاً لكن داخل التفاصيل الصغيرة يحدث كل شيء، نبرة صوت تقرر مصير نقاش، رد متأخر يصنع تفسيرا سلبياً، تعليق عابر يتحول إلى قصة متداولة، الذكاء العاطفي لا يمنع الاختلاف، لكنه يمنع أن يصبح الاختلاف حرباً داخلية، يحول التوتر إلى نقاش منضبط ويحول الانفعال إلى لغة محترفة.

قد يظن البعض أن الذكاء العاطفي يعني التنازل أو الابتسامة الدائمة لتجنب المواجهة. وهذا ليس صحيحا بالضرورة. الذكاء العاطفي يعني أن تعرف متى تواجه وكيف تواجه ولماذا تواجه. يعني أن تقول لا دون استفزاز وأن تعترض دون أن تصنع عدواً وأن تقدم رأيا مخالفاً دون أن تسقط احترام الآخرين. هو ليس التنازل عن حقوقك، بل اختيار الطريقة التي تحفظ حقك وتترك لك مساحة مستقبلية للتأثير.

اختيار المعارك بدقة خيار ناضج. ليس كل موقف يحتاج تصحيحاً فوريا وليس كل خطأ يستحق الرد. بعض المعارك تربحها حين تتجاهلها لأنك تفهم أن الوقت رأس مالك، وأن صورتك المهنية أغلى من لحظة انتصار، القوة ليست في رفع الصوت، بل في ضبطه حين تملك الحق في أن ترفعه.

ختاماً الذكاء العاطفي ليس فكرة نظرية ولا ترفاً سلوكياً، هو مهارة واقعية تسبق شهادتك وتتفوق على خبرتك لأنها تحمي قيمتك حين يختبرك الضغط وتفتح لك الأبواب حين يغلقها سوء الفهم، وتمنحك نفوذا هادئا لا يحتاج ضجيجاً ليحضر، ففي بيئات الأعمال قد تربح موقفا بصوتك، لكنك تربح مستقبلك بعقلك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد