أنشأ الكونغرس عام 1913 بنك الاحتياطي الفدرالي، أو البنك المركزي، وجعل هيكله مختلطا بين العام والخاص، لمنع تغوّل أي طرف على الاقتصاد، حيث مكّن البنوك الوطنية الخاصة لأن تصبح أعضاء في البنوك الاحتياطية الإقليمية، وعددها 12، بحيث تحصل على أرباح محدودة، دون أن يكون لها دور في رسم السياسة النقدية الأمريكية، بالطريقة التي يتحكم بها ملاك اي بنك أو شركة خاصة في قراراتهم.
يهدف الاحتياطي لتوفير «عملة مرنة»، والعمل كملاذ أخير لإقراض البنوك، وإعادة خصم الأوراق التجارية، وتحسين الرقابة المصرفية للحد من عمليات السحب الجماعي وحالات الذعر. ويتكون هيكله من ثلاثة مكونات رئيسية؛ أولها، مجلس المحافظين في واشنطن، العاصمة، الذي يعين الرئيس الأمريكي رئيسه وأعضاءه، ويصادق مجلس الشيوخ على ترشيحاته. وثانيها، 12 بنكا احتياطيا فدراليا آخر يخدم كل منها منطقة جغرافية. وثالثها، «لجنة السوق الفدرالية»، وهي الأهم، وتحدد السياسة النقدية، مثل أسعار الفائدة وشراء الأصول.
تدار لجنة السوق الفدرالية، والأهم، من قبل 12 عضوا، منهم خمسة يمثلون رؤساء البنوك الفدرالية الإقليمية، بالتناوب، بالإضافة لسبعة محافظين، منهم الكرسي الدائم الذي يمثل نيويورك. ويحق لرئيس بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك التصويت في كل اجتماع؛ أما الرؤساء الأحد عشر الآخرين فإنهم ينقسمون لأربع مجموعات، بحيث يصوت كل منهم مرة تقريباً كل 3 سنوات، وبالتالي يمزج هذا النظام بين خصائص القطاعين العام والخاص، ويوزع السلطة جغرافياً، بحيث لا تستطيع أي جهة بمفردها، سواء «وول ستريت» أو البيت الأبيض أو الكونغرس، التغول أو الهيمنة على السياسة النقدية، وبذلك حافظ الاحتياطي، منذ تأسيسه، على استقلاليته.
تمتلك بعض البنوك الوطنية الخاصة «أسهماً» في الاحتياطي الفدرالي لمنطقتها، وأسهمها شرط للعضوية، وليست استثماراً اختيارياً، فهي غير قابلة للتداول ولا للرهن، ونسبة الأرباح التي تحصل عليها محددة بالقانون، ولا تزيد حاليا على 6%. وتعمل البنوك الفدرالية الـ12 كبنوك مركزية لمناطقها، لكن لا تتدخل في تحديد سعر الفائدة، ولا في إصدارات العملة، ولا في غيرها من القرارات الفدرالية. وبالتالي من يملك حق إدارة بنك الاحتياطي الفدرالي هو مجلس المحافظين، الذي يشرف عليه رئيس الفدرالي، والمفوضون، وموظفون حكوميون فدراليون؛ ورواتبهم تدفعها الحكومة الفدرالية، لكن لا يحق لرئيس الدولة عزلهم. وتحوّل أرباح البنك الفدرالي، إن وجدت، إلى وزارة الخزانة الأمريكية، علما بأن البنك حقق خسائر «محاسبية» في السنوات القليلة الماضية، بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، ومع هذا يرفض رئيسه تخفيض الفائدة، وهذا أكبر دليل على استقلالية قراره.
أحمد الصراف

