: آخر تحديث

العراق وأميركا على درب الاستقرار الإقليمي

3
2
2

على هامش زيارة قمت بها مؤخراً إلى العاصمة واشنطن، أوضح لي أحد المسؤولين الأميركيين أن نهج السياسة الخارجية للإدارة الأميركية يركّز على جعل الولايات المتحدة أكثر أماناً وقوةً وازدهاراً. وبرأيي، فإنَّ هذا التوجه يتناغم تماماً مع تطلعات العراق وسياسته الخارجية، وبشكل خاص مع سياسة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني الذي تبنّى مبدأ «العراق أولاً» و«المصلحة المشتركة»، وهو ما من شأنه أن يجعل العراق أيضاً أكثر أماناً وقوةً وازدهاراً. إنَّ التحولات الجارية في البلاد تسهم في ترسيخ شراكات راسخة ومتطورة بين بغداد وواشنطن. وعلى مدى السنوات الماضية، شهدت العلاقات العراقية - الأميركية نمواً متصاعداً في مجالات الأمن والطاقة والاقتصاد، وفقاً لمبدأ تبادل المصالح المشتركة.

واليوم، ومع تسارع وتيرة النهضة الاقتصادية والتنمية الشاملة في العراق، لا سيما في قطاع الطاقة، فإنَّ الفرص أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى أمام كبرى الشركات الأميركية للمساهمة في تشكيل هذه النهضة، وترك بصمة واضحة وفعّالة، إلى جانب دورها في تعزيز وترسيخ العلاقات الثنائية بين البلدين.

من المقرر أن يصل وفد رفيع المستوى، يمثّل نخبة من كبرى الشركات الأميركية، إلى العاصمة بغداد مطلع شهر أبريل (نيسان)، بهدف استكشاف الفرص الجديدة والواعدة في السوق العراقية التي تشهد نمواً متسارعاً. وتأتي هذه الزيارة بقيادة غرفة التجارة الأميركية - العراقية، ضمن مبادرة أوسع لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

ومن المنتظر أن تُوقَّع خلال الزيارة عدة مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون بين الشركات الزائرة ونظيراتها العراقية. ومن المؤكد أن شركات عالمية رصينة مثل «جنرال إلكتريك»، و«KBR»، و«بيكر هيوز»، و«هاليبرتون»، و«هانيويل»، وغيرها، قادرة على لعب دور محوري في تطوير قطاع الطاقة في العراق، في ظل توفّر فرص استثمارية وعقود بمليارات الدولارات لتحديث هذا القطاع الحيوي.

ومن المرجح أن تسفر هذه الزيارة عن توقيع اتفاقية غير مسبوقة بين شركة «جنرال إلكتريك» ووزارة الكهرباء العراقية، تهدف إلى إنتاج 24.000 ميغاواط من الطاقة عالية الكفاءة، بحسب ما أعلنه وزير الكهرباء المهندس علي فاضل في مقابلة متلفزة بتاريخ 28 مارس (آذار) 2025. وتهدف هذه الاتفاقية إلى المساهمة في سد الفجوة الكبيرة في الطلب على الكهرباء، والذي يُتوقَّع أن يبلغ 48.000 ميغاواط.

وتتضمن الجهود الموازية لمواجهة هذا التحدي تأسيس شراكات عابرة للحدود، إلى جانب استمرار العمل الوطني لاستكمال مشروع الربط الكهربائي الخليجي الذي يهدف إلى إيصال 500 ميغاواط من شبكة الكهرباء لدول مجلس التعاون الخليجي عبر دولة الكويت خلال عام 2025. كما يُنتظر أن تسفر التفاهمات العراقية مع كل من المملكة الأردنية الهاشمية، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، عن استيراد ما مجموعه 2.500 ميغاواط من الطاقة بحلول عام 2027. وبينما يتصاعد حجم الاستيراد لتلبية الطلب المتزايد، تمهيداً للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، تبقى الحاجة إلى التعاون مع الشركات الأميركية في مجالات نقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية، أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الاستدامة وتوفير حلول طويلة الأمد.

كما يُسلّط قطاع الغاز الطبيعي في العراق الضوء على الفرص الكبيرة المتاحة للمضي قُدماً في مسار تطوير وتنمية قطاع الطاقة في البلاد. فلا تزال كميات هائلة من الغاز المصاحب تُحرَق يومياً وعلى مدار الساعة، نتيجةً لضعف البنية التحتية، والحاجة الماسّة إلى الخبرات الدولية المتقدمة في مجالات معالجة واستثمار هذا المورد الحيوي. وفي هذا السياق، تتمتّع الشركات الأميركية بإمكانات فنية وتكنولوجية متقدمة، تجعل منها شريكاً مثالياً في هذا المجال. ويمكن لتلك القدرات أن تُسهم بشكل فعّال في تقليص نسبة الهدر، وتحقيق الاستفادة القصوى من الثروات الطبيعية، بما يعود بالنفع على كلا البلدين، ويُسهم في إيصال العراق إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من الطاقة على المدى القريب والمتوسط.

في الرابع من مارس، أعلن وزير النفط العراقي المهندس حيان عبد الغني أنَّ الوزارة بصدد استيراد منصة غاز عائمة (FSRU) لتأمين إمدادات الغاز لمحطات توليد الطاقة في البلاد. وتُجرى حالياً عملية تقديم العطاءات، ومن المتوقع اختيار العرض الأنسب لتنفيذ المشروع في المستقبل القريب. ويمثل هذا المشروع فرصة واعدة أمام الشركات الأميركية المتخصصة في تصنيع المنصات العائمة وتوريد الغاز الطبيعي المسال، للمشاركة بفاعلية، والمنافسة على قدم المساواة مع باقي الشركات العالمية، في إطار جهود العراق لتوسيع خياراته وتنويع مصادره لتأمين احتياجاته من الطاقة.

على مدى العامين ونصف العام الماضي، منح العراق عقوداً لشركات أميركية أكثر من أي وقت مضى؛ ما يعكس مستوى الثقة المتزايد والشراكة المتنامية بين البلدين. وقد شهد التعاون الاقتصادي بين العراق والولايات المتحدة نمواً ملحوظاً، شمل قطاعات متعددة من بينها الزراعة والصناعات الغذائية. وفي المرحلة الراهنة، تتجه الحكومة العراقية إلى تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، لا سيما في مجالات النقل، والمياه، والاتصالات. وتُعد هذه القطاعات من مجالات الاهتمام والتخصص التي تتمتع بها الشركات الأميركية، بما يجعلها من أبرز المرشحين للفوز بهذه التعاقدات، والمساهمة الفاعلة في مسيرة التنمية في العراق.

يمثّل المسار الاقتصادي المتسارع في العراق فرصة حقيقية لتعميق الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما في ظل التوجّه الطموح نحو تطوير قطاعَي الطاقة والبنية التحتية. وتُعد الشركات الأميركية في موقعٍ متميّز يتيح لها قيادة هذا المسار والمساهمة في تنفيذ أبرز مفاصله بكفاءة عالية. وقد أكد مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز هذه الإمكانية خلال مكالمة هاتفية أجراها في العاشر من مارس مع رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني؛ إذ عبّر عن شكره لرئيس الوزراء على «التزامه بالعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والعراق»، وأشاد بـ«تفاني إدارة الرئيس ترمب في تعزيز علاقات الطاقة والاقتصاد بين البلدين بما يعود بالنفع على الشعبين الأميركي والعراقي».

ومن الواضح، بشكل متزايد في كلٍّ من بغداد وواشنطن، أن الطريق نحو المستقبل تحدّده المصالح والفرص المشتركة، وهو ما يدفع بالعلاقات الثنائية نحو مزيد من التعاون الراسخ، القائم على الاحترام المتبادل، والتوافق في الأهداف الاستراتيجية. وهو ما ينسجم مع المبادئ الأساسية لجعل الولايات المتحدة أكثر أماناً وقوةً وازدهاراً من جهة، ويُلبّي طموحات العراق في تعزيز الاستقرار والتنمية الاقتصادية الشاملة من جهة أخرى.

وبالنظر إلى المستقبل، فإنَّ العراق والولايات المتحدة يمتلكان فرصاً مؤكدة لتعميق شراكتهما بطرق تسهم في تعزيز الأمن الإقليمي، والتكامل الاقتصادي، والاستقرار على المدى الطويل. وقد شكّل هذا التوجّه جوهر المكالمة الهاتفية التي جرت بين رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. ووفقاً لما ورد في البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء، فقد «أبدى الجانبان التزامهما بدفع الشراكة الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة إلى الأمام، وتعزيز العلاقات الثنائية بما يتجاوز الجوانب الأمنية، مع التركيز على مجالات الاقتصاد، والتمويل، والطاقة، والتكنولوجيا».

إن هذا التوافق يُمهّد لفصل جديد من الشراكة العراقية - الأميركية، يبشّر بمستقبل واعد في ضوء المصالح المشتركة، ويضع التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي في صميم العلاقة بين البلدين، بما يخدم شعبيهما، ويسهم بفاعلية في ترسيخ الأمن والسلام في المنطقة والعالم.

* مستشار الشؤون الخارجية

لرئيس الوزراء العراقي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد