: آخر تحديث

كيسنجر في أسئلة فلسفية

15
14
13
مواضيع ذات صلة

يعرف العالم هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي، ثم وزير الخارجية في عهدي الرئيسين الأمريكيين ريتشارد نيكسون، وجيرالد فورد، بوصفه سياسياً بارعاً صاحب رؤية، سواء اتفقنا معه فيها أو اختلفنا، فهو في النهاية ابن مؤسسة الحكم، أو الدولة العميقة في الولايات المتحدة، وكان لفترة من تاريخها أحد أهم صنّاع القرار فيها، وليس بريئاً من بعض السياسات التي نالت من حقوق ومصالح شعوب أخرى، هو الذي عرف بدهائه السياسي، وأشرنا غير مرة إلى مقولته المهمة، حول أنه درس الفلسفة ليس محبّة في أفلاطون، وإنما لأنها لا تترك خلية في الدماغ عاطلة عن العمل.

من يتذكر هذا القول لكيسنجر قد لا يتفاجأ بأن الرجل الذي يبلغ من العمر اليوم مئة سنة، ما زال، حتى اللحظة، يملك قدرات ذهنية لافتة، تشي بها مواقفه التي يعلن عنها بين الحين والآخر حول مسار ومآل السياسات الأمريكية الراهنة، وهي مواقف يعبر عنها عادة في مشاركاته في منتديات مختصة، أو في مقابلات صحفية وإعلامية.

ومع ذلك بدا مفاجأة، على الأقل بالنسبة لي، ما قرأته في مقالة له بعيدة عن عالم السياسة والدبلوماسية والنزاعات الدولية، ونُشرت ترجمة لها إلى العربية وضعها أحمد جمال أبو الليل، حواها ملف في عدد سابق من مجلة «الثقافة العالمية» الكويتية. عنوان المقالة لافت: «كيف انطفأ التنوير؟»، وفيها يناقش التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي على البشرية، ويخلص فيها إلى أن بلاده، أمريكا، «لم تقم بسبر أغوار هذا الذكاء بشكل ممنهج، ولم تقم بدراسة تضميناته، ولا شرعت في انتهاج سيرورة للتعامل الشامل»، داعياً إلى إعطاء هذه الاعتبارات «أولوية قومية»، «لا سيما من منظور ربط الذكاء الاصطناعي بالتقاليد الإنسانية».

ما يمكن استخلاصه من دعوة كيسنجر هذه، هو أنه يتعين عدم النظر إلى الذكاء الاصطناعي كمسألة تقنية محضة، فهو إذ يقر بأنه شخصياً لا ناقة له ولا جمل في شؤون التقنية، يؤكد بالمقابل أن مطوري الذكاء الاصطناعي، ليسوا ذوي خبرة بالسياسة والفلسفة، وهذا هو وجه الخطورة، وربما نجد شرحاً أوضح لهذه الفكرة في قول أتى في ثنايا المقال يقول فيه كيسنجر: «على امتداد التاريخ البشري أنشأت الحضارات طرائق لتفسير العالم: فكان الدين في العصور الوسطى، وكان العقل في عصر الأنوار، وكان التاريخ في القرن التاسع عشر، وكانت الأيديولوجيا في القرن العشرين»، ليخلص إلى السؤال: «ما الذي سيبقى من الوعي الإنساني إذا ما تفوق الذكاء الاصطناعي على قدراته التفسيرية، وإذا لم تعد المجتمعات قادرة على تأويل ماهية العالم الذي تقطنه، بلغة مفهومة لها؟».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.