: آخر تحديث

أعمال بشرية... وأفعال قدَرية

8
5
5

في الوقت الذي كانت المملكة العربية السعودية تعالج حالة يمنية طارئة استجدت بفعل مباغت، وبذلك يزداد الأمل بالحل وفْق صيغة متوازنة فلا يعود هنالك جنوبان مقلقان في الأمة (الجنوب اللبناني والجنوب اليمني)، كان العالم يفاجأ يوم السبت 3 يناير (كانون الثاني) 2026 بحدَث غير مألوف، وتمثل باعتماد الرئيس الأميركي دونالد ترمب حلاً اختطافياً لرئيس جمهورية فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته مِن غرفة نومهما، ثم أعلن ترمب في بيان أن العملية نُفذت بنجاح، وأن مادورو أصبح في قبضة العدالة، وتم نقْله إلى نيويورك، حيث ستجري محاكمته بتهمة تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، وتهديد الأمن الأميركي. وعبَّر الرئيس ترمب عن ابتهاجه بالعملية بالقول إنه «كمن يشاهد برنامجاً تلفزيونياً». وأما موقف النظام الفنزويلي الذي أعقب عملية الاختطاف تلك، فتمثَّل بإعلان نائبة الرئيس أن «مكان مادورو وزوجته غير معروف»، ثم إعلانها حالة الطوارئ.

وهكذا يكون العالم استيقظ من إغفاءة ابتهاجه بحلول عام جديد، مع الأمل بأن يحمل في طياته حالة استقرار تخفف عن ذاكرته أثقال المحنة الغزاوية والمأزق السوداني والخوف المستدام لدى اللبنانيين ومثْلهم الشعب الأوكراني، لتتم مباغتته بحالة اختطاف غير مسبوقة، وإن كانت عمليات خطْف طائرات مدنية كتلك التي قامت بها على سبيل المثال ليلى خالد حدثت قبْل ربع قرن. لكن ليلى الفلسطينية أدت المهمة بأمل استيقاظ العالم الغافي، والنظر في قضية وطنها التي ما زال مؤجّلاً حسْمها، فيما العملية الترمبية اختطفت رئيس دولة ضِمْن مجموعة دول أميركا اللاتينية.

عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي هي الاختبار الأول لما أراده الرئيس ترمب باستبدال تسمية «وزارة الدفاع» لتكون «وزارة الحرب». وعلى الرغم من حصْر العملية بجزئية من مفهوم وزارة الحرب، فإنها ستذهب في الذاكرة لدول أميركا اللاتينية بوصفها حالة محتمَلة يمكن أن تُصيب أي دولة، إذا اقتضى الأمر الأميركي ما أصاب فنزويلا. وعلى نحو المثل الشعبي: «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض».

هنا من مصلحة رموز الحالات العالقة مع الإدارة الترمبية، وإيران بالذات أن تنظر إلى الأمر بنوع من رجاحة التفكير، ومِن دون عدّ واقعة فشل العملية الجوية ضد إيران الخمينية لفك أسْر الدبلوماسيين والعسكريين المحتجَزين في السفارة الأميركية في عهد إدارة الرئيس جيمي كارتر، واردة الفشل في حال نفَّذ الرئيس ترمب وعيده تجاه إيران الخامنئية، خصوصاً بعدما باتت مظاهرات الاحتجاج على الأحوال المعيشية تتواصل وتتمدد في إيران. ومع أن رموزاً في النظام الإيراني والقادة الأمنيين و«الحرس الثوري» أبرزوا أنيابهم، فليس ذلك ابتساماً وإنما هو استعداد للانقضاض على مَن يحاول إمطارهم بأحدث الصواريخ، وخطْف بعض القادة، وعلى النحو الذي جرى بين غمضة والتفاتتها بداية تغيير الحال في فنزويلا حليفة النظام الإيراني، وبصرف النظر عما إذا كان ذلك يتصل بتهريب المخدرات أو بما هو الشغل الشاغل للدول الكبرى، أي الذهب والفضة والمعادن وكذلك النفط الذي قد تكون بعض الدراسات تشير إلى أن الاحتياطي الذي لا يُستعمل قارب على النضوب، ولا بد لأصحاب التخزين استباق ساعة ما قبْل الصفر للنضوب، بنفط الآخرين وفنزويلا بالذات، التي وفْق دراسات هي الأكبر بين دول العالم في احتياطيات النفط، كذلك بضعة آلاف طن من الذهب إلى جانب المعادن على أنواعها، وكذلك خيرات سهولها من البن.

ولم تقتصر المباغتة للآملين من بني البشر على أن العام الجديد سيزيل بالتدرج صدمات العام الماضي على أنواعها ومعظمها بين السيئ حربياً والأسوأ اقتصادياً وبطالة مستشرية في بعض دول القارات الخمس، فجاء أكثرها مفاجئاً وصادماً باختطاف رئيس دولة مستكينة لتتم محاكمته في الدولة العظمى بفعل عمل عسكري حربي، وإنما كان هنالك فِعْل مأسوي مِن صنْع الأقدار. وكلاهما مدعاة للاستغراب: الأول هو ما أوجزْنا حدوثه ويختص بخطف رئيس دولة في عتمة ليل، ويُخشى أن يصبح نهجاً طوال الولاية الرئاسية، ويستهدف من الدول أغناها فوق الأرض وتحتها من خيرات. أما الثاني الذي هو مِن صُنْع الأقدار فيتمثل في المأساة التي حدثت تزامناً مع العملية الحربية العسكرية الأميركية الخطفية، في منتجع مكانه إحدى مناطق سويسرا التي هي المثال في الدقة والتنبه، ويذهب ضحية الحريق الحاصل في جمْع ساهر وسعيد باستقبال العام الجديد 40 ضحية وعشرات المصابين، مع التكتم من جانب الجهات الرسمية على العدد النهائي للمصابين احتراقاً ومكان علاجهم. وكأننا بسويسرا هذه الدولة المتباهية بدقة الساعات التي تصنعها مؤسسات عريقة فيها، باتت دولة تفتقد الدقة في منتجعاتها الشتوية بالذات التي هي مقصد الكثيرين من دول العالم والعرب بالذات منهم. وهكذا حريق غير محتسَب علاجه إذا حدَث فجأة فإنه يحوِّل عشرات المبتهجين إلى أجساد محروقة. هنا يكون الذي حدَث من الأفعال القدَرية التي تكون نتائجها كتلك الحالات التي تسقط فيها الأرواح بفعل القصف في الحروب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد