. الإنسان يعيش في عالم محكوم بالتغيير ذاتيًا والمتغيرات حوله من طبيعية واجتماعية، وسلاحه أمام هذا الحكم، حكومة الطبيعة وحكومة المجتمع، أن يتكيّف حتى يتمكن من المحافظة على جنسه ومجتمعه. والتكيف فرضٌ، لا خيار، من ذاتٍ قلقة على أُسِّ مصيرها، وهو استمرار بقائها في عالم الوجود، وهذا هو التكيف الإيجابي الذي يستوجبه الصراع من أجل البقاء، حيث التكيف فرض ذاتي، والصراع شرع ذاتي. مثلما للعملة وجهان، كذلك للتكيف وجهان، وجه الصراع من أجل البقاء، ووجه الانزلاق ضد البقاء. الوجه الايجابي - الطبيعي هو المعروف من امهات البحوث العلمية والدراسات الاجتماعية ومن مجمل الادبيات الإنسانية، بينما الوجه السلبي النقيض هو إخلال في ميزان البقاء، وليس في موضع اهتماماته إنْ بقى الإنسان أو انقرض، إن عاش الإنسان مُكَرَّمًا أو ذليلًا. الوجه السلبي، وهو اجتماعي، بهذا البعد من الاهتمام، المرتبط بالمصالح الذاتية الانانية، ينزلق بقيم الفضيلة والأخلاق في المجتمع إلى الانقراض، مما يقتضي تكيفًا مضادًا لاستمرار وجود قيم الفضيلة مع استمرار وجود الانسان... تكيف اجتماعي سلبي يقتضي تكيفًا اجتماعيًا مضادًا.
الصراع من أجل البقاء، كجنس بشري، مسألة طبيعية بحتة، قد ينجح معه الإنسان وقد لا ينجح، أما الصراع من أجل بقاء قيم الفضيلة، فهو صراع بين الإنسان والإنسان، وهو الصراع الذي اشتدت وطأته مع التحولات الكبيرة من البدائية الأولية «الهمجية» ومن ثم البدائية المتطورة «البربرية» إلى القفزة النوعية لما هو معروف بالحضارة... مع الحضارة، وهو أعلى رتبة في سلم الارتقاء الإنساني، ازدادت مآسي الإنسان وتعرضت القيم الإنسانية، من أخلاق وفضيلة، منزلقة إلى هاوية الانقراض، وذروتها اليوم شرعنة الشذوذ والترويج بأنه لا ضير من علاقات جنسية بين كبار السن وصغار السن ممن هم أدنى من سن المراهقة... إضافة إلى النظام الاقتصادي المكبل بنظام مالي أناني شرس يدفع بالبشرية إلى العودة إلى عصور العبودية، حيث قلة سائدة فاحشة الثراء، وغالبية كلية مسودة فقيرة تُعَيَّشُ تحت سياط المال و تسبح غيوم المال فوقها ولا قطرةَ غيثٍ تُسْقَطُ عليها... هذه العلاقة المختلة هو أُسُّ الفساد الذي ينزلق إلى هاوية الوباء.
حكومة الطبيعة، نعني بها تلك القوانين العامة التي تتحكم في جزئيات البناء الطبيعي و خاصة عندما تتفاعل الجزئيات محدثة تغييرًا أو تغييرات تقتضي التعامل معها حفظًا لبنية الطبيعة بمكونها البيولوجي أو النباتي وحتى الصخري، إضافة إلى كيفية التعامل مع المؤثرات الكونية، مثل التغيرات التي تحدثها ضربات النيازك الضخمة، مثل النيزك الذي ضرب الأرض قبل ستين مليون سنة وقضى على جنس من الكائنات، وهو الديناصور، بينما استطاعت حكومة الطبيعة أن تحافظ على أجناس أخرى مثل القمل والنمل والصراصير وغيرها من الكائنات الحية... كان الأثر عظيمًا على حكومة الطبيعة ولكنها، بفعل قوانينها المتماسكة والقوية والمتجددة استطاعت ان تحافظ على الحياة على كوكب الارض، وأن تجدد ذاتها باستحداث أشكال أخرى من الأجناس البيولوجية والنباتية.
وحكومة المجتمع، نعني بها مجموعة القيم الإنسانية والقوانين الوضعية التي تنظم علاقة الإنسان بالإنسان في جو اجتماعي صحي وسليم قابل للتطور أمام المتغيرات الاجتماعية، وقادر أن يحفظ على كيانه أمام التحديات التي تنشأ من ذاته، وخاصة إذا تعرض المجتمع لداء الفساد، واستطاع أن يعالج كيانه من مرض الفساد قبل أن يتفاقم الى وباء، ومن ثم يتعفن ويتحلل ويتلاشى من أثر الوباء... عندما يصبح الفساد تقليدًا اجتماعيًا سائدًا مقبولًا من اعلى قمة الهرم الاجتماعي الى قاعدته العريضة، عندها يكون الفساد قد وصل الى درجة الوباء، وهي نقطة اللارجعة عن الانهيار، لا يفيد معها لا الكيمو ولا الاشعاع...
حكومة الطبيعة تمكنت أن تحافظ على كيانها الطبيعي من الانقراض، فهل بإمكان الإنسان أن يحافظ على كيانه الاجتماعي من الانهيار والتلاشي؟!!!
الفساد نتاج اجتماعي - طبقي... لا ولم ولن يأتي الفساد من الخارج، بل الفساد من الداخل، من داخل النفس المريضة التي يتولد منها الاوبئة، والفساد أشَرُّ وباء... ومع النفس المريضة تفسد الروح، وروحُ الانسانِ مِلْحُهُ... وإذا الروحُ فسدت، فبأيِّ ملحٍ تصلحُ النفسُ روحَها... الفساد خلل في علاقة الإنسان مع الانسان، وهذا يعني ان التكيف مع الفساد ذو وجهين متناقضين... الوجه الأول هو الإنسان الذي يسبب الفساد ويستفيد منه ويدمن عليه، والوجه الآخر هو الإنسان المستهدف من الفساد والذي يتضرر منه ويقاسي ويلاته... المستفيد من الفساد يتكيف مع الفساد بقبوله والانصياع إلى مغرياته والإدمان عليه، بينما المتضرر من الفساد يتكيف معه بالتعامل معه بغية التغلب على الخلل ومسبباته وإعادة التوازن في علاقة الإنسان مع الانسان... وإذا قارنا بين الفساد، وهو وباء اجتماعي، والوباء الطبيعي، نجد تشابهًا كبيرًا في كيفية تكيف الإنسان مع الوبائين... الوباء الطبيعي، في مراحل ما قبل تطور العلم والطب، كان الإنسان يتكيف معه بقبول الأمر الواقع والاستسلام له نتيجة لعجزه، ونتيجة لهذا العجز كانت النتائج كارثية، وهي أشبه بالانقراض النسبي... وباء الفساد، وهو تحد مصيري بالنسبة للإنسان المتضرر منه، فإما أن يتكيف معه بالقبول كأمر واقع ويستسلم له، وعندها يكون مصير المجتمع إلى الانهيار والتلاشي، وهو أقرب إلى الانقراض الاجتماعي مقابل الانقراض الطبيعي. لكن لا يقف الإنسان المتضرر من الفساد مكبل اليدين إلى أمد طويل، بل مثلما يتولد أنماطًا حياتية جديدة بعد الانقراض الطبيعي، كذلك يتولد أنماطًا اجتماعية جديدة بعد الانقراض الاجتماعي... المرحلة الفاصلة، بالنسبة للمجتمع، بين الانقراض والمولود الجديد هو حالٌ أو طورٌ من التفاعلات الداخلية القاسية والشرسة والعنيفة، التي لا تعير الرحمة أدنى أهمية، من حروب أهلية أو ثورات أو انقلابات... وما هذا بجديد على الإنسان، بل ان التاريخ يؤكد أنه سيرة الإنسان.

