تميّز الأسبوع الماضي بحدوث هزَّة نفسية مفاجئة أصابت كبرياء مواطني الجزائر بمختلف فئاتهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية والإتنية، وذلك جرَّاء رفض مجموعة "بريكس" ملف الجزائر واستبعاد عضويتها، بينما قبلت كلاً من الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب دول أجنبية أخرى وهي إيران والأرجنتين وأثيوبيا.
استغرب الجزائريون ميل كفّة مجموعة "بريكس" إلى منطقة المشرق العربي على حساب منطقة شمال إفريقيا، وفي هذا السياق كانت ردود فعل الشارع الجزائري الشعبية منقسمة بخصوص تشخيص أسباب رفض ملف الجزائر، ومتفاوتة في الحدّة إزاء هذا الحدث المحزن.
ولكن يُلاحظ أنّ نسبةً كبيرة من هؤلاء تلوم السلطات الجزائرية على فشلها، منذ الاستقلال حتى اليوم، في ابتكار نهج جزائري يضمن إنجاز القواعد الصلبة للاقتصاد الجزائري القوي وسنده المتمثل في دولة الرفاه الاجتماعي، والتقدّم التكنولوجي، والتطور التعليمي، والتحديث الحضري المعماري، والعصرنة السياسية، وغيرها من أسس الدولة الحديثة.
هناك مراقبون جزائريون متخصّصون في شؤون الهيئات الإقليمية والدولية ما فتئوا يعاتبون المسؤولين الجزائريين الذين كُلّفوا بالإشراف على ملف الجزائر الذي أُعدّ لطلب العضوية في مجموعة "بريكس"، على عدم سماح هؤلاء بتشكيل فرق وطنية متخصّصة ولها علم ودراية بالمعايير المطلوبة من "بريكس" والتي بموجبها يتمّ رفض أو قبول هذا البلد المرشح أو ذاك المرشح الآخر للعضوية الدائمة.
والحال، أنّ النظام الجزائري قد تعوّد على إسناد مثل هذه المهمّات إلى دوائر تُختزل دائماً في وزراء وديبلوماسيين ومديرين جزائريين بيروقراطيين يجهلون أسس عمل المنظمات والهيئات الدولية، ويكتفون في الغالب بإعداد ملفات غير مقنعة، سرعان ما تصطدم بصخرة المعايير العالمية.
ويبدو واضحاً أنّ الأحزاب الجزائرية المعتمدة رسمياً، سواء كانت معارضة أو من الموالاة، قد اكتفت في الغالب بالصمت.
أما المعارضون الجزائريون الأفراد المتواجدون في الخارج، فقد وجدوا الفرصة سانحة لتكرار خطابهم التقليدي الذي يريدون التسويق له بطرق مختلفة، على أنّهم البديل الوحيد الذي يملك الرؤية القادرة على وضع الجزائر على السكة الصلبة والصحيحة.
وفي هذا السياق، يلاحظ المراقب السياسي، أنّ هؤلاء يجمعون في تصريحاتهم وتعليقاتهم المتنوعة، خصوصاً أولئك الذين يديرون قناة المغاربية اللندنية التابعة للتيار الإسلامي الأصولي برعاية وتمويل نجل الراحل عباسي مدني، مؤسس حزب الجبهة الإسلامية المحظورة من العمل السياسي منذ سنوات طويلة، أنّ الأسباب التي نتجت منها صدامات العشرية الدموية هي التي أدّت إلى تخلّف الجزائر عن الركب بالتقدّم، الأمر الذي جعلها غير مؤهّلة اقتصادياً واجتماعياً أن تنافس الدول العربية المشرقية التي حجزت موقعاً لها ضمن مجموعة "بريكس".
أما الجزائريون الموزعون في الشتات الأوروبي، ويملكون قنوات بشبكة "يوتيوت"، فقد أرجعوا رفض مجموعة "بريكس" ملف الجزائر، إلى انتشار الفساد المالي في البلاد الجزائرية وإلى إقصاء النظام الجزائري الكفاءات المتطورة والموجودة في الداخل وفي الخارج من المشاركة في عمليات ابتكار وتنفيذ استراتيجيات التنمية الحديثة في مختلف فضاءات التنمية الوطنية. والدليل على ذلك في تقدير هؤلاء، هو تسلّط الموظفين البيروقراطيين غير الفاعلين على مختلف أجهزة الدولة الجزائرية، بدءاً من مديريات وهيئات مؤسسة الرئاسة، ومروراً بأعضاء الحكومة التنفيذية ومساعديهم، والمؤسسة التشريعية (البرلمان بغرفتيه والمجلس الدستوري) والمديريات، وانتهاء بالمؤسسات الكبرى عبر المحافظات والبلديات في الجزائر العميقة.
لقد ترك عدم تسمية السلطات الجزائرية بوضوح الجهة التي عرقلت عضوية الجزائر وتحميلها مسؤولية إجهاض طلبها، مجالاً لتأويلات مختلفة ومتناقضة، حيث هناك تركيز جزائري شعبي وبخاصة بين الشرائح الإعلامية، على رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي واتهامه شخصياً بأنّه هو الذي حسم الموقف الذي أدّى إلى رفض منح الجزائر عضوية "بريكس". وثمة من أضاف اسم رئيس البرازيل لولا دا سيلفا إلى مودي. ولكن برزت نخبة من الإعلاميين الجزائريين الذين فسّروا ما حدث للملف الجزائري بعدم توفّر معايير اقتصادية كافية لتأهّل الجزائر إلى حجز منصب عضو كامل ضمن مجموعة "بريكس". ويعلّل هؤلاء تأويلهم هذا بقولهم، إنّ الجزائر ليست لها أي خلافات راهنة أو تاريخية قديمة مع الهند والبرازيل معاً لتكون سبباً لتحاملهما عليها.
وبعكس التوقعات، فقد صرّح وزير المالية الجزائري لعزيز فايد، وهو ممثل الرئيس الجزائري في اجتماع الدورة الـ 15 في قمة "بريكس" في جوهانسبرغ في جبنوب إفريقيا، أنّ الجزائر جاهزة للعمل مع هذه المجموعة التي أقصت بلاده. الأمر الذي يعني أنّ الجهات الرسمية في أعلى هرم السلطة الجزائرية تريد تخفيف الصدمة أو أنّها قد تمكنت من عضّ الرصاصة أملاً في أن يُقبل الملف الجزائري في الدورة المقبلة للمجموعة.
وبعيداً من أفخاخ سياسات المؤامرة، يقترح متابعون جزائريون، يمثلون التيار الوطني العصري في الفكر النظري والعملي والسياسي، أن يبدأ أهل الحل والربط في الجزائر بطرح هذه الأسئلة الوجودية المركَبة التالية على أنفسهم وعلى مختلف النخب وشرائح الشعب وهي: ما هي شروط ومواصفات الدولة الحديثة؟ وما هو مضمونها السياسي والثقافي والمعرفي والعلمي والاقتصادي. وما هي الآليات التي بموجبها يتمّ إنجاز جماليات العصرنة عبر البلديات والمحافظات وعلى مستوى الإنسان الجزائري نفسه؟ وما هو الأسلوب الناجع الذي يؤدي إلى جمع شتات الكفاءات الوطنية في مختلف التخصّصات لإحداث الإقلاع الحداثي في البلاد؟
يعتقد المتابعون بعد الهزّة التي أحدثها رفض ملف عضوية الجزائر في مجموعة "بريكس" أنّ على الجزائر أن تواجه نفسها بشجاعة أولاً، وبذلك فقط يمكن أن تنطلق مشاريع بناء أبجديات أركان الدولة الوطنية الحداثية المتطورة. وهكذا فإنّ هؤلاء يرون أنّه من الضروري إرجاع رفض أو تأجيل ملف عضوية الجزائر في "بريكس" إلى مكانه الطبيعي الحقيقي، أي إلى الإرث البنيوي الثقيل الموروث عن الرؤساء الجزائريين، والشلل الذي حكم الجزائر في عهودهم على مدى 60 عاماً من الاستقلال، بدءاً من عهد الراحل هواري بومدين إلى فترة 20 عاماً من حكم الراحل الآخر عبد العزيز بوتفليقة، ألا وهو إرث "التخلّف البنيوي" سواء في مجال تنظيم الدولة أو على صعيد الإخفاق الشامل في وضع وتنفيذ التصوّر الحداثي المتكامل للتنمية الأكثر عصرية في شؤون الفلاحة والزراعة، والصناعة، والسياحة، والثقافة، ومنظومة التعليم بما في ذلك التعليم المهني الذي هو أحد أسس العقلانية الصناعية المصغّرة في أي مجتمع.
الجزائر ومجموعة "بريكس"... إخفاق التنمية الوطنية العصرية
مواضيع ذات صلة

