: آخر تحديث

البحرين مملكة التسامح

27
37
29
مواضيع ذات صلة

بعد تعديل وتحديث نعيد نشر هذا المقال بمناسبة حفل تدشين «إعلان مملكة البحرين في جمهورية مصر العربية» وهي الوثيقة التي تعبر عن فكر صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المفدى وفلسفته. وقد تم التدشين في القاهرة، عاصمة جمهورية مصر العربية، نظرا لما لهذه البلاد العربية الكبيرة من مكانة خاصة لدى ملك البلاد المعظم والشعب البحريني الكريم. ما أرجوه بإعادة النشر أن تكون ترجمة هذا الحدث ماثلة في مضاعفة الجهات المعنية لجهودها خدمة لأدوارها في تكريس ثقافة التعايش والتسامح في المجتمع البحريني، وأعني بالجهات المعنية وزارة الداخلية، وزارة الإعلام، وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، وخصوصا وزارة التربية من خلال مناهجها وبرامجها المختلفة التي تقدم للنشء، ولا أقلل من دور المؤسسات الأخرى ذات العلاقة القريبة والبعيدة بالأسرة في مملكة البحرين، فالتسامح والتعايش صفتان من صفات المجتمع البحريني ينبغي أن ترسخا سلوكا ثابتا في تعاملات الناس بعضهم ببعض.

 لم يوجد في التاريخ البشري مجتمع متجانس بشكل مطلق حتى في أصغر تشكيلاته عندما خلقت الدنيا من آدم وحواء، وإذا ما وجد تجانس في أصول البشر العرقية أو الدينية أو المذهبية فإنه حتما لن يكون تجانسا في الأفكار والرؤى، وهذا ثابت في كل المجتمعات الإنسانية. وعلى هذا فإن أي مجتمع إنما يكون قائما على التنوع والتعددية والتغاير، وضمن هذا الإطار تتشكل الرؤى والأفكار وتنبني القناعات الفردية والجمعية، وتنتظم التيارات الاجتماعية متناقضة المصالح والأهواء، وهنا تظهر الاختلافات المطلوبة وتعدد زوايا النظر. وعلى هذا الأساس ووفق هذا المنطق فإن المفردات القطعية اليقينية التي يطلقها سدنة الإيديولوجيات من مختلف المشارب الفكرية والعقائدية تغدو غير ذات معنى وغير مقبولة، لأن جوهر هذه المفردات وأقصى مراد مطلقيها سعي إلى إقصاء الآخر، وإعلاء من شأن الرأي المفرد الفرد، واختراق صارخ لقوانين الاجتماع.

 في ظل التيارات الاجتماعية المتناقضة المصالح والأهواء والمتباينة الآراء والأفكار، يبحث المجتمع عن وحدته التي ينبغي أن يزيدها التنوع ثراء لتزداد متانة، وليس لتنقسم وتتشتت، ومن هذه الوحدة يستمد هذا المجتمع أو ذاك ديمومة تطوره. وحري بالمجتمعات التي تتحلى بالتنوع الإثني والعرقي والمذهبي أن تتباهى وتتفاخر بتنوعها، ومجتمعنا البحريني واحد من هذه النماذج المجتمعية التي ينبغي عليها أن تستثمر هذا الخليط المذهبي والعرقي بإيجابية للنهوض بالوطن الواحد الجامع للكل، وترفد برامجها الاجتماعية والثقافية والفكرية من معين هذا التنوع، لأننا بذلك نراكم على ما غرسه الآباء والأجداد من قيم التسامح والاحترام، لنصل معا إلى ذروة مبتغاهم في تأسيس مجتمع السلم والمواطنة والرفاه.

 في رأيي إن أولوية الأولويات في التنشئة الاجتماعية ضمن الأسر وفي المدارس وفضاءات العيش المشترك من دور عبادة ومسارح ونواد... تربية على الحوار وعلى احترام الحق في التنوع أو إن شئنا الدقة تربية على تفكيك الأفكار التي حاول إدخالها عنوة على مجتمعنا سدنة المذاهب الطائفيون والمشتغلون بالسياسية، وفشلوا بعد تبين تهافتها وضعف تماسكها وخطرها على مبادئ العيش المشترك والحق في التنوع والاختلاف، خاصة أن سدنة هذه الأفكار الوافدة على المجتمع البحريني لا يتورعون أبدا عن إلغاء الآخر ودحره في جحيم معاناة مصطنعة لا مسؤولية له فيها.

 كثيرة هي الإيديولوجيات المبنية على إقصاء الآخر، ولكن أخطرها بلا شك الإيديولوجيات الكليانية يسارية كانت أم يمينية وخاصة منها الإسلام السياسي بكل تلويناته، وخطورة الإسلام السياسي لا تكمن في رجعية المناويل السياسية والتنموية والحضارية التي يقترحها فحسب، وإنما أيضا في أمرين اثنين لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر، وأولهما تكريسه منطقا طائفيا نابذا للآخر مستهينا بالوطن لصالح الإيديولوجي، والحال أن الإيديولوجي والفكري يفترض فيهما أن يكونا خادمين للوطن، وثانيهما في تحول الإسلام السياسي ومقولاته الإقصائية إلى معول حاد قد يمسكه معتوه متطرف ليعمله في كل ما من شأنه أن يقوض قيمة احترام التنوع والحق في الاختلاف التي وجدناها إرثا عظيما خلفه لنا الآباء خيطا ناظما لحبات لؤلؤ مجتمع بحريني جماله وقوته في تنوعه.

 للمحافظة على السلم الاجتماعي ينبغي على مؤسسات المجتمع احترام التنوع باحترام الرؤى المتشكلة في بيئتها، فالرؤى، بهذا المعنى، تتصف بأنها متحولة وغير ثابتة، وحيث إن الزمن في حالة تدفق غير منقطع عن المكان بصفته حيزا تتفاعل فيه العناصر المكونة للمجتمع، فإن الغرابة لتبدو في ثبات رؤى الناس وليس في تحولها انسجاما مع المتغيرات التي تجري في المجتمع. إن وتيرة التنمية تتسارع على الصعد كلها في المجتمعات التي تنأى بنفسها عن التحرشات الطائفية والمذهبية، إلا مجتمعاتنا العربية الخانعة لمسلماتها الاجتماعية وقيمها التي تحقر الرأي الآخر وتراه منحرفا! فهي تأبى أن تتحرك في الاتجاه ذاته، وتصر على إخضاع أقلياتها تحت رحمة متبنيات أفكارها.

 خلاصة القول هنا، هو أن المعبر عن مكنونات الأفكار، التي نطلق عليها رؤية الفرد للمجتمع والكون هو الرأي، فإذا ما استسفهنا هذا الرأي فما الذي يتبقى لنحترم؟ ونضيف إنه إذا ما تأسست قناعة احترام الرؤى المختلفة في المجتمع، فإن ذلك يقود حتما إلى إعطاء صاحب الرؤية حقه في إبداء رأيه انطلاقا من رؤيته، لا مما يفرض عليه، وهذا لن يكون متحققا إلا في حاضنة التسامح، الذي هو من وجهة نظري الذخيرة المجتمعية لمواجهة صنوف التطرف والكراهية والإكراه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد