قطبان كانا يتنافسان على قيادة العالم، وفي سياق الصراع الحذر تحت سقف سلاح الردع النووي، انحشر الصراع بينهما بجملة حروب بالوكالة عرفت بالحرب الباردة. سقط قطب وانحسر، وبقي قطب وهو يشعر بنصر مبين غير متوقع فتح له الطريق ليتربع على عرش العالم دون منازع ولا منافس ولا مناكف. القطب الأوحد تنفس الصعداء مرحًا مستمتعًا باستفراده لدور تاريخي لم يسبق له مثيل، فاطمأن الى جميع ما توهم به نفسه في ساحة العالم بين الشعوب والأمم وبين الخيرات والنعم، فأصبحت، حسب الوهم الغدار، كعكة العالم ملك يمينه.. فتحول القطب الأوحد الى عصابة علي بابا والأربعين حرامي (أمريكا ودول الناتو)، أي أن هذا القطب لم يرَ ضيرًا من كشف عريه أمام العالم.. سقطت ورقة التوت عن عورة آدم وحواء دون إرادة منهما، بينما القطب الأوحد قرر بإرادة واعية إسقاط ورقة التوت عن عريه القبيح لتكون رسالته الى شعوب العالم واضحة لا لبس فيها ولا حاجة الى تفسيرها، فهي بصريح العبارة تكشر عن أنيابها العسكرية وقبضتها المالية والاقتصادية صارخة بأن من ليس معي فهو ضدي، والويل لمن يتجرأ بالوقوف، ليس فقط ضدي ولكن حتى أمامي.. هكذا تحوّل النظام العالمي بعد انتهاء الحرب الباردة، فأصبح النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة ابتزازًا سياسيًا وتجويعًا اقتصاديًا وتهديدًا عسكريًا و غزوات لدول لا حول لها ولا قوة وتدمير البنى التحتية لتلك الدول وتعرّض شعوبها للمجازر بذرائع وقحة.
عصابة حروب ما بعد الحرب الباردة كشّرت عن أنيابها وعَرَّتْ أهدافها وتمادت في عهرها و تراقصت من فرط فجورها وأبدعت في فنون البطش وطربت لجرائمها، وأخذت تمطر الشعوب المستهدفة من موجة طائرات تغطي مساحات السماء كأنها غيوم، وشتان بين رحمة الغيوم ولعنة تلك الطائرات.. غيوم الطائرات الماجنات فوق رؤوس الناس تحجب عن الأرض أشعة الشمس و هواء التنفس. ونيازك أرضية - أرضية، تسمى صواريخ عابرة للقارات، تساعد الطائرات مهماتها الإجرامية بحق الشعوب البريئة، فتنزل تلك النيازك مدمرة المدن والقرى بما فيها وما على أراضيها من بشر وبناء وحيوان وزرع، ولهذه النيازك قوة تدميرية بمقياس إزالة كامل جغرافية دولة من عالم الجغرافيا. قبل الطائرات والنيازك يتم التخطيط المتقن بدقة الحساب المعيشي وبراعة الأداء الإداري والتنفيذي لتحقيق إبادة بشرية دون الحاجة الى رصاصة، وهو سلاح بتّار فتّاك فعّال يعرف بالحصار الاقتصادي، هذا الحصار الذي يحجز عن الشعب المستهدف الغذاء والدواء حتى يموت من الجوع والمرض، حتى تيأس قيادة الشعب المستهدف وتستسلم لإرادة العصابة وتسلمها كرامة الشعب على طبق من الذل، فيكون الانتصار دون طلقة رصاصة مع توفير الطائرات والنيازك غالية الثمن وتوفير الجهد الحربي على الجنود المساكين، الذين لا حول لهم ولا قوة ولا إرادة، وهم كذلك ضحايا العصابة.
لتوضيح الصورة أعلاه نسترجع من الذاكرة الحديثة مثلاً من بين أمثال كثيرة، وهو المقابلة التلفزيونية لقناة CNN بعد الغزو الأمريكي للعراق، والتي أجرتها إعلامية من القناة مع وزيرة خارجية أمريكا السيدة مادلين اولبرايت. السيدتان برزتا على الشاشة وهما في أبهى ما أنتجته وقدمته دور الأزياء و معارض الزينة، وكانت الابتسامات تتنقل بينهما و كأنهما في جلسة استرخاء للتباهي بما تحقق من إنجاز عظيم، إذ أن السؤال الجوهري والمحوري في هذا اللقاء كان يتناغم بشكل توافقي مع طبيعة الجواب، وكأن «السين - جيم» قد تم التوافق عليهما مسبقًا لإبلاغ رسالة العصابة الى شعوب العالم.
سين (الإعلامية): «سمعنا أن نحو نصف مليون طفل ماتوا وهذا العدد أكثر من الذين ماتوا في هيروشيما، هل الثمن يستحق؟»!!!
جيم (وزيرة الخارجية): «أعتقد أن ذلك خيار صعب جدًا، ولكن نعتقد أن الثمن مستحق..»!!!
يا لبرودة الجواب، ونعومة اللسان الناطق بالجواب! نعم! قتل الأطفال «ثمن مستحق!!!»، ولسان حالها يتوعد بأن من لا يعجبه سنجعل منه ثمنًا مستحق!!!
السؤال يبدأ بمعلومة مغلوطة عن قصد، لأن الذين ماتوا هم أكثر من ثلاثة أضعاف ما جاء في السؤال، والإعلامية تطرح السؤال بصيغة التشكيك في المعلومة عندما تقول «سمعنا أن... الخ»، وهذا يدل على مدى انصياع الإعلام لأوامر العصابة. نفس الإعلامية وحول ما يجري على أرض أوكرانيا ما كانت لتطرح السؤال بنفس الصيغة، بل بصيغة تحمل بين كلماتها اليقين المفبرك والمبالغة في حجم الدمار والضحايا والتجريم ضد روسيا، رغم أن القرار الروسي هو دفاع عن النفس واضطرار مصيري أمام استراتيجية العصابة لتدمير وتفكيك و إخضاع روسيا، ولكن روسيا ليست أفغانستان ولا العراق ولا ايران.
يبدو أن خيار العصابة لاختراق روسيا هي القشة التي ستقرر مصير العصابة، وهذا الخيار المغامر شبيه بقرار هتلر، أثناء الحرب العالمية الثانية، اجتياح الأراضي السوفياتية، وقرار هتلر في روسيا قرر مصير هتلر في الحياة وأنهى عصابة النازية.. إذا كان غزو العراق، والتسبب في قتل ما يقارب 2 مليون طفل، قرار صعب حسب تعبير وزيرة الخارجية اولبرايت، فإن محاولة اختراق الأرض الروسية قرار أحمق.. وإذا كان قتل الأطفال في العراق «يستحق الثمن»، فإن الثمن في روسيا غير الثمن في ضحايا العراق.
عصابة علي بابا والأربعين حرامي تتحرك اليوم على أرض أشواكها قاتلة وأجوائها سامة والقدرة على التقدم عليها كقدرة التيس الذي ينطح جدارًا عصي على الهدم.. من الواضح لجميع شعوب العالم، التي ترغب في السلام وهي تشهد الصراع على أرض أوكرانيا، أن مصير العصابة قريب من مصير هتلر ومعه النازية، وأن العالم مقبل على نظام عالمي جديد، نظام ما بعد حروب العصابة.

