ماذا ينتظر المواطنون الجزائريون من مؤتمر حزب "حركة مجتمع السلم" (حمس) الذي سينعقد هذا الأسبوع، وهل يمكن أن يحسم أمره ليتخلى عن سلوكه السياسي المتأرجح بين المعارضة الشكلية وبين الولاء البراغماتي للنظام الجزائري الحاكم؟
في حوار مع يومية "الشروق" الجزائرية أكد رئيس اللجنة الوطنية التحضيرية للحزب عايد عبد الكريم يوم الأحد الماضي أن مؤتمر الحزب سينعقد خلال أيام قليلة حددها في 16، 17، و18 من الشهر الجاري وذلك من أجل اختيار خليفة لرئيسه الحالي الدكتور عبد الرزاق مقري، فضلاً عن اتخاذ جملة من القرارات بشأن مسائل أخرى في مقدمها العودة أو عدم العودة إلى الحكومة القادمة التي ينتظر أن يعينها أو يدخل عليها التعديلات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ينبغي هنا التوضيح أن الجهة المخولة البت بقرار العودة أو عدم العودة إلى الحكومة هو مجلس "شورى" هذا الحزب الذي يعتبر العقل المدبر والجهة الوحيدة التي تملك حق الفصل في الأمور الكبرى والحاسمة.
لقد برر عبد الكريم التوجه للعمل بعهدتين فقط بتمسك الحزب بتقليد التناوب على رئاسة الحزب، وفي هذا الخصوص يرى محللون سياسيون جزائريون أن اختيار "حمس" هذا التوجه ليس نابعاً من الالتزام الديموقراطي الذاتي، وإنما هو مجرد إعلان نوايا للشروع في التطبيع، وذلك بالخضوع لقوانين الدستور الجزائري الحالي الذي يرخص بعهدتين فقط لرئيس الدولة بدلاً من العهدات المفتوحة التي تيمزت بها مرحلة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة الذي بقي في قصر المرادية عشرين سنة كاملة، الأمر الذي أدى إلى انفجار الحراك الشعبي الذي أطاحه من سدة الحكم في مناخ درامي كاد يزلزل أركان الدولة الجزائرية.
المهم في تصريح رئيس لجنة حزب "حركة مجتمع السلم" الوطنية التحضيرية هو المضمون الحقيقي المضمر في إشارته إلى إمكان العودة إلى الحكومة أي إلى العمل مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في إطار تحالف رئاسي جديد بدلاً من التزام نهج المعارضة الذي تخلى عنه هذا الحزب في أكثر من مرة.
من الواضح أن عبد الكريم لم يقدم أي تفاصيل بخصوص الشروط التي ينبغي توافرها، سواء في الحكومة أم في برنامج الرئيس عبد المجيد تبون لكي تكون مسوغاً ليتكتل حزبه مع النظام الحاكم في الجزائر.
وزيادة على ذلك فإن حواره مع الصحيفة المذكورة آنفاً تميز بالغموض والتعميم بشأن ما دعاه "التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأوضاع الإقليمية والدولية". ويلاحظ هنا إهماله ذكر ما يتصل بالثقافة ومنظومة التعليم الابتدائي والإكمالي والثانوي والجامعي وأوضاع الجالية المهاجرة التي تشكو باستمرار من إهمال وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي الجزائري لها على مدى سنوات طويلة.
ومن الغريب أنَ عبد الكريم لم يتعرض بالتفصيل الدقيق أيضاً للمشكلات الأساسية التي ينتظر المواطنون أن يناقشها مؤتمر حزبه، علماً أن دور هذا الحزب لا ينبغي اختزاله في مجرد انتخاب خليفة لرئيس هذا الحزب أو اتخاذ القرار بشأن التحالف مع الرئيس الجزائري وحكومته أو لا.
وفي الحقيقة، فإن المواطنين الجزائريين يفترضون أن الدور المركزي لأي حزب جزائري، بما في ذلك حزب "حركة مجتمع السلم"، هو إيجاد الحلول الجذرية لمركب أزمات البلاد وفي المقدمة حالياً الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الخانقة الناتجة من عدم تناسب معاشات مختلف شرائح الموظفين مع تفاقم الغلاء الفاحش للمعيشة وفي الصدارة المواد الغذائية التي لا يمكن أن يستغني عنها المواطنون في حياتهم اليومية. علماً أن الرئيس تبون كان واضحاً جداً في اللقاء الذي جمعه بالصحافة الوطنية في القصر الرئاسي، حيث أقرَ بأن معاشات المواطنين ضعيفة وتحتاج فعلاً إلى التحسين، ولكنه طلب مهلة لإنجاز ذلك. ويرجع عدم تقديم الرئيس تبون الوعد بحل ملائم لهذه المشكلة في زمان محدد إلى هشاشة الوضع المالي للبلاد. وفي هذا الصدد يرى المراقبون العارفون بجوهر بنية الأزمة الاقتصادية الجزائرية أن الرصيد المالي الموجود راهناً في الخزينة الوطنية لا يسمح إلا بزيادات طفيفة في معاشات العمال والمتقاعدين معاً وهو ما أقدم عليه رئيس البلاد أخيراً.
في هذا السياق بالذات ينبغي طرح هذا السؤال: هل كان "حزب حركة مجتمع السلم" حزباً معارضاً في يوم من الأيام، وحتى في عهد مؤسسه الراحل محفوظ نحناح في عام 1990 تحت اسم "حركة المجتمع الاسلامي؟".
تفيد تداعيات ظروف نشأة هذا الحزب نفسه وما يدعى بأحزاب المعارضة في تسعينات القرن الماضي بأن أجهزة السلطة الحاكمة كان لها ضلع في ميلاد كثير من الأحزاب الجزائرية لأنها لجأت غصباً إلى حل فتح التعددية الحزبية لإنقاذ البلاد من انتفاضة شعبية عاصفة في ذلك الوقت. ولكن هذه التعددية تعرضت للنكسة لأسباب كثيرة منها عدم نضج الوعي السياسي في الشارع الجزائري، ومراوغة السلطات لأي تغيير سياسي يمس جوهر بنية الحكم، وانحراف "حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية" الذي تورط في انتهاج ثنائية متضادة هي العمل السياسي التقليدي والعمل المسلح العنيف والمخل بالنضال السياسي السلمي؟
ففي إطار مثل هذا المناخ السلبي الذي طفح إلى السطح خلال فترة العشرية الدموية وتبعاتها، لاحظ المراقبون السياسيون أن حزب "حركة مجتمع السلم" لم يكن معارضاً تماماً بل "شارك في جميع الاستحقاقات السياسية التي جرت في الجزائر، كما شكَل في الفترة الممتدة منذ 2004 حتى 2012 مع حزبي "التجمع الوطني الديموقراطي" و"جبهة التحرير الوطني" ما كان يسمى بالتحالف الرئاسي" ، ثم "تكتل مع "حركة النهضة" الجزائرية و"حركة الإصلاح الوطني" في ما سمي بتكتل الجزائر الخضراء والذي كان يقوده عمار غول في العاصمة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2012".
وتوضح تعرجات سلوكات هذا الحزب أنه لم يتخذ أيضاً موقفاً راديكالياً من ثقافة الحكم الفردي الأحادي الذي عبر عنه "حزب جبهة التحرير الوطني" وواصله الرئيس الراحل بوتفليقة طوال فترة حكمه، وفي الواقع فإن حزب "حركة مجتمع السلم" زكى مراراً تعيين بوتفليقة ممثلين له ضمن الثلث الرئاسي في البرلمان الأمر الذي جعل "حركة مجتمع السلم" تبدو أمام الرأي العام الوطني متواطئة مع النظام الحاكم مقابل المشاركة في الحكومة وتقاسم كعكة المناصب في جهاز البرلمان بغرفتيه، والسلك الدبلوماسي ومختلف مؤسسات الدولة، بدلاً من اختيار أسلوب المعارضة الراديكالية إلى جانب تشكيلات أحزاب المعارضة الأخرى في المشهد السياسي الجزائري.

