صدرت إرادة أميرية بتكليف سمو الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح بتشكيل وزارة جديدة، تحمل هموم الكويت، ويريدها المواطنون أن تتألف من رجال ترشحهم الكفاءة، مطعمة بالنظافة والأمانة وحسن الخلق، مدركين للمسؤولية وعارفين بضوابط التصرف داخل البرلمان، مالكين ثقافة تؤهلهم للحوار الراقي والمفيد مع النواب ومع غيرهم، جاهزين لتحديات الواجب في استحضار المنطق وتوظيف العقلانية ومراعاة الاعتدال..
هذه المواصفات التي يجب أن يحملها الوزير بحسب توقعات الشعب الكويتي، وأجزم بأن سمو الرئيس واعٍ لما يجب أن يحمله الوزير من حرص على إنجاح مسار التشكيلة التي يقودها رئيس الوزراء، في علاقاتها مع البرلمان ومع الأعضاء، في تعميق تبادلية الثقة بين الطرفين.
وخلال اتصالاته الحالية لتشكيل وزارته، فمن المؤكد أنه سيستعين بما حصده من تجربة التشكيلات الثلاث التي سبق له أن جمعها، ويتمعن في مسببات توقفها، ويعمل على تجاوز هذه العراقيل التي أوقفت مسار التشكيلة، وأرجو منه أن يتلمس توجهات الرأي العام الكويتي، وأبرزها طموحات الشعب في تحقيق انطلاقات تتجاوز شلل الماضي، وأن يرصد المواقف الشعبية تجاه ما يدور داخل البرلمان الكويتي.
وأتمنى من سمو رئيس الوزراء أن يقرأ الملاحظات التالية:
أولاً - خرج الدستور من حرص المؤسسين وبالذات المرحوم الشيخ عبدالله السالم على تحقيق التشاركية بين أبناء الشعب والشرعية التاريخية التي لا مفر منها لتأمين استقلال الكويت للحفاظ على سيادتها وصون أمنها، مع التأكيد على أن ذلك يتطلب التعاون الودي بين البرلمان والحكومة، وأن أي ضعف يمس هذا التعاون يؤذي الكويت، ويزعج أمنها ويمس صلابتها الداخلية.
ثانياً - على رئيس الوزراء أن يعبر بقوة عن اعتراضه ضد أي خطوة تأتي من داخل البرلمان تتعارض مع شروط التعاون التي لا غنى عنها وفق مبدأ التشاركية، ويحدد بوضوح ما يراه خروجاً على هذا المبدأ، فقد علمتنا الحياة أن السكوت عن الخطأ يتحول مع الوقت إلى واقع يهز الأساس لمنظومة المشاركة.
ثالثاً - هناك ضجر شعبي قوي من الجمود العام المسيطر على دروب التنمية، وتكاثر غيوم الجمود في سماء الكويت وعجز الحكومة عن اتخاذ القرار الذي يخرج الكويت من سطوة الجمود، فما كان لهذا الشلل أن يتمكن من عظام الكويت لو توافرت الإرادة بتوضيح مواقف الحكومة حول ما يطرحه النواب في توجهاتهم نحو الخطوات الشعبية التي تعزز فرصهم في استمرار العضوية في البرلمان، مثل مقترح إسقاط القروض وزيادة العلاوات وتوفير الامتيازات المادية مع نزعة الإسراف المالي.
رابعاً - تحتاج الحكومة إلى تبني استراتيجية قوية للدفاع عن برامجها، وحشد إمكاناتها الواضحة، فليس بالضرورة أن تنال الإجماع، ويكفيها تحقيق الأغلبية، فصوت الاعتدال بين الأعضاء أقوى من غيره ويبرز أكثر عندما يقتنع بجدية موقف الحكومة.
كما تحتاج أيضاً إلى صد الاعتراضات التي تستهدف إفشال خطة التنمية مع الرد بالتمسك في إبقاء أهداف الخطة من دون تغيير.
يعرف سمو رئيس الوزراء أن نهج المجاملات يشجع بعض الأعضاء على الخروج من عقلانية التصرف بتوظيف وسائل فيها إثارات واستفزازات رأينا بعضها في افتتاح الدورة الماضية مع انتخابات الرئاسة، مع مفردات بشعة لا تتفق ووقار المجلس، وكانت الضرورة تحتم رفضها بقوة، وعدم التراخي، لكنها مرت، وسجل التاريخ وجودها في مسيرة المجلس.
خامساً - تميز مسار الكويت التاريخي بالترابط بين السلطة الشرعية والمواطنين عبر حوارات يستعرض فيها الطرفان لائحة الهموم الوطنية، ولعبت هذه الخصوصية أبرز الأدوار في تأمين سلامة الوطن، واستمر هذا التقليد المثمر.
ونتذكر أن المرحوم الشيخ سعد عبدالله السالم مارس هذا النهج المحبب عام 1992، بالاتفاق مع أكثر من ثلاثين شخصية كويتية ناقشت واقع الكويت بعد الغزو، وتوجت برسالة من هذه المجموعة أرسلت للشيخ سعد في يوليو عام 1992، والمهم في هذا التذكير أن يحافظ سمو رئيس الوزراء على هذا المسار ولا يتردد في دعوة الكويتيين إلى التشاور نحو أنجع السبل للخروج من هذا الجمود.
سادساً - من أهم المبادئ البارزة في دستور الكويت التأكيد على سيادة القانون، فلا توجد خواطر ولا مجاملات في هذا الممر المؤمن للسلامة والاستقرار، ومن دونه لا يمكن تحقيق المساواة ولا وحدة وطنية، ولا تنتعش الثقة بين المواطنين والحكومة.
ومن أهم الأدوار التي يلعبها جبروت القانون قدرته على القضاء على الفساد، فلا يحتاج إلى آليات للتصدي للفساد والفاسدين، فهذا المبدأ قادر على تنظيف الكويت، لكن المهم تواجد إرادة السلطة وجبروت قبضتها في هذا الإطار.
سابعاً - يجتهد النواب في اختيار الإنجاز الذي يحقق لهم العضوية، ونتفهم اختلاف الاجتهادات، ولا نشك في حرصهم على سلامة الوطن، ولا توجد صعوبة في الوصول إلى تفاهم بين السلطتين، تراعي مصالح الدولة وتستند إلى الدستور، لكن المهم أن يصر رئيس الوزراء على هذا التفاهم بحواراته وتواصله مع رئيس المجلس والأعضاء، فرئيس المجلس يتحمل مسؤولية في الحفاظ على منظومة التعاون، وعليه أن يقرب المواقف، ويؤسس أرضية التلاقي، خاصة والرئيس ينعم بسعة الصدر والمثابرة.
ثامناً - من أبرز الملفات التي يتابعها شعب الكويت، اخترت ثلاث قضايا لها الأولوية لارتباطها بالأمن والاستقرار، ولها علاقة بتنفيذ ما يطمح إليه الجميع، ولها وقع خاص في قائمة الاهتمامات، أولها ملفات التنمية التي تحمل الكويت إلى آفاق التطور وتوفر لها المتانة الاقتصادية والمالية وسلامة العيش واللحاق بمستجدات التكنولوجيا، التي تجد في البيئة الخليجية مناخاً مناسباً، استعصى على الكويت خلقه، والملف الثاني التركيبة السكانية، المرتبط بالأمن والاستقرار والثقة بالمستقبل، وقد تأخرت الحكومة كثيراً في معالجة هذا الملف اللصيق بالاطمئنان المستقبلي، وعلى الرئيس أن يوفر جهداً خاصاً لهذا الوضوع، فآخر الإحصائيات اظهرت أن عدد مخالفي الإقامة تجاوز «المئة واثنين وخمسين ألفا». أما الملف الثالث، فهو كسر البيروقراطية وعناصر الاسترخاء في الأجهزة الإدارية، وتدشين مرحلة تبرز الحيوية وتستعيد الديناميكية الكويتية التي اختفت مع دولة الرفاه والكسل، بما في ذلك تغذية التعليم بحيوية التجديد والتطوير.
تاسعاً - جميع أبناء الكويت يحملون احتراماً خاصاً لسمو رئيس الوزراء، فلا جدل حول روعته في النظافة وسلامته في الأمانة وصدقه في النوايا، ولطافته الشخصية، كل ذلك رائع ونادر، وتبقى موهبة القيادة، فلا بد أن يشعر أبناء الكويت بصلابة قيادته للتصدي للمبادرات البرلمانية المكلفة، مع الاعتراض القوي ضد الغارات البرلمانية على صلاحيات السلطة التنفيذية، كما نتوقع أن يقضي على سلوكيات بعض النواب في التحريض ضدها، وتوضيح مخاطر هذا الأسلوب.
عاشراً - وآخر الملاحظات، أتمنى أن يتحاور سمو الرئيس مع مختلف أبناء الشعب عبر لقاءات إعلامية يتحدث فيها عن موضوع التنمية فقط، خطتها ووسائل تنفيذها وإعداد الجهاز المناسب لها مع تواصل دوري عن حجم التنفيذ وعن العقبات وهويتها، فإن جاءت من أعضاء المجلس، فليكن صريحاً مع الشعب ومع النواب ويحتكم إلى الرأي العام الكويتي، كما من حق النواب أيضا أن يبرروا عدم جدية الحكومة إذا ترددت أو تساهلت مع حثها على الإسراع لكي لا يتحمل فقط أثقال اللوم والنقد، بينما الواقع يشير إلى تردد الحكومة في القرار الحاسم، فلا بد أن يقف الشعب على حجم التعاون بين السلطتين ليدفع نحو التلاحم..
آمالنا كبيرة وثقتنا عالية.. وننتظر بشوق للإنجاز.

