: آخر تحديث

العراق وطريقه إلى الاستقرار

30
25
40
مواضيع ذات صلة

فجر الـ20 من مارس 2003 بدأ الغزو الأميركي الذي أُعطي اسم «عملية حرية العراق»، مع كمٍّ هائلٍ من العناوين رافقت الزحفَ البرّي نحو بغداد، كـ«إطاحة حاكم مستبدّ» و«الانتقال إلى ديمقراطية مزدهرة»، أو سبقته كـ«إزالة أسلحة الدمار الشامل» و«القضاء على إرهاب تنظيم القاعدة».

وبعد مرور 20 عاماً، وحتى قبله، أمكن فرز الحقائق القليلة مما تحقّق عن الشعارات الملفّقة، إذ أُطيح فعلاً بذلك الحاكم ونظامه، ومعهما الدولةُ والجيش، ولم يُعثر على تلك الأسلحة لتصبح البلاد غابة من أسلحة الدمار الذاتي. أما «الديمقراطية» فما تزال حلماً مع انتقال العراق من نظام استبدادي إلى حالة جديدة، وسرعان ما أضحى الإرهابُ جزءاً من المشهد بتسميات كثيرة يصعب معها التمييز بين «داعش» و«كتائب حزب الله» وغيرها.
يومها لم يسقط النظام السابق فحسب، بل أُسقط معه العراق نفسُه، مما يجعل كثيرين يتساءلون عمّا إذا كان ذلك هو الهدف الحقيقي للغزو: إخراج العراق من المعادلة الإقليمية، والاستناد إلى وضعه الأميركي الجديد لإحداث تغيير جذري في المنطقة!

وحين بدأت جهود ما بعد الغزو لإعادة ربط العراق بمحيطه العربي، رفض العديد من «القادة العراقيين الجدد» (المعارضين السابقين) هذا المسعى بحجة أن العرب داوموا على دعم النظام السابق حتى بعد رحيله! لذا لم يتردّد أحد الجنرالات الأميركيين في القول إن على العرب «أن ينسوا العراق لفترة من الزمن». لكن، في الوقت نفسه، كانت دول إقليمية تبدو مرغوباً فيها أينما حاولت التغلغل في العراق.

وعندما وجدت «سلطة الاحتلال الأميركي» أن إقامة نظام عراقي جديد وتأسيس شيء من الاستقرار يمرّان عبر إيران فقد سعت إلى «تفاهم وظيفي» معها ما تزال بعض مفاعيله سارية إلى اليوم، رغم العداء السياسي الظاهر بينهما. ما لبث هذا «التفاهم» أن اختلّ بعد انتهاء الانسحاب الأميركي مطلع 2011، لأن طرفه الآخر لم ينسحب، بل اعتبر أن الساحةَ خلت له بقرار أميركي.

كان العام الأول بعد الانسحاب اختباراً حقيقياً لـ«القادة العراقيين الجدد» كي يبرهنوا أنهم مصممون على إعادة العراق إلى العراقيين، وجاهزون لبناء الدولة وإدارة الحكم بأنفسهم. كانت هناك مظاهر كثيرة مساعدة، ومنها كونهم حكام مُنتخبون، ولهم برلمان يعكس تعددية طائفية وعرقية كرّسها الدستور، وجيش وأمن أعيدت هيكلتهما... لكن، قبل ذلك، كانت حرب أهلية طائفية قد نشبت بدءاً من عام 2006، وكانت الحاجة ماسة إلى الكثير من الحكمة والحنكة والوطنية، لإنهاء تلك الحرب ومعالجة تداعياتها بالتعديلات اللازمة على الدستور لتنقية «العملية السياسية» وجعلها منصفةً للجميع.

غير أن هذه المتطلبات لم تتحقق، وانتهت الأمور إلى إنتاج الأسوأ: تنظيم «داعش». كل ذلك أبقى العراقَ في دائرة الاضطراب، وتطلّبت الحربُ على الإرهاب تحالفاً دولياً قادته الولاياتُ المتحدة قوبل في الداخل بتفريخ عشرات المليشيات الطائفية في إطار «الحشد الشعبي» وخارجه.
وبعد عامين على «النصر على داعش» اندلعت «انتفاضة تشرين» التي ظهّرت النقمة الداخلية على النفوذ الإقليمي، فواجهتها المليشيات بقمع دموي. ومع ذلك استطاعت الانتفاضة أن تكشف ما لم يعد بالإمكان ستره في حينه، في ظل طبيعة الائتلاف الحاكم. العراقيون يستحقون أفضل مما جربوه بعد الغزو، والعراق محكوم عليه بأن يعود إلى نفسه ليشقّ طريقَه نحو استقرارٍ ما.
*كاتب ومحلل سياسي لندن


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد