هل سألتَ متفائلاً: «أليس الصبح بقريب»؟ بلى، ثمّة ثقافة فعل جديدة ترى النور في آخر ليل عربي طالما سألْنا متى غدهُ، وكانت أصداء الأمل دائماً تردّد: «أليس الصبح بقريب»؟ تفكير الدول العربية جدّيّاً في استراتيجية عمل عربي مشترك، في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، في الدورة 159، يبشّر ببزوغ إرادة تعي أبعاد التحولات العالمية التي هي انتقال إلى نموذج فكري جيوسياسي مختلف.
مولد هذا الوعي باقة إيجابيات لأن تغيير النموذج الفكري يشمل كلّ شيء في طريقة التفكير، فهو في الحقيقة حلول طريقة محلّ أخرى. يحدث ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، حين يكتشف الناس في نموذج فكريّ عالميّ معيّن أن كل ما فيه كذب على القيم وافتراء على الحضارة وادّعاء باطل لاحترام القوانين والأعراف الدولية. هذه الأمور حين تطول أكثر من قرن، تنجم عنها صدمات نفسية، لا مجرّد ملل وكلل من حصر أهل العصر طول الدهر تحت القهر. تأمل عظمة البيان القرآني الساحر كيف صوّر ملابسات المشهد: «ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك» (آل عمران 159). في مثل تلك الظروف العصيبة المصيبة يولد نموذج فكري جديد.
المبحث يحتاج إلى عميق فكر، فتغيّر النموذج الفكري تتضافر في إحداثه عناصر عدة إلى جانب الفظ الغليظ القلب. ثمّة أيضاً القانون الكوني الحيوي: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» (البقرة 251). المفكرون يشبهون أحياناً مراكز شديدة التطور لرصد الزلازل، ففي سنة 2008 أصدر المفكر السنغافوري كيشور محبوباني كتابه: «نصف العالم الآسيوي الجديد: التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق». في الأصل الإنجليزي استخدم المؤلف بدلاً من الحتمي كلمة معناها «الذي لا يقاوم»، أو «إِرّيزستيبول».
ها نحن نرى بأمّ العقل محاولات التصدّي للتحوّل العالمي، من قِبل النموذج الفكري الذي استقرّ منذ ثلاثة قرون تقريباً عبر ثلاثية إمبراطورية فرنسية، بريطانية وأمريكية، وانطبقت عليه الآيتان الكريمتان معاً، وآن له أن يتفرغ لقراءة كتاب محبوباني، وللاستزادة «تدهور الغرب» للألماني شبنغلر. الآن، حين يرى العالم العربي في الأفق كتلة من أربعة مليارات نسمة، «البريكس» ودولاً أخرى زاحفة كأنها لوحة تكتونية جبّارة، فإن عليه أن يقول: أكون أو لا أكون، هذه هي المرحلة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الذهولية: أليس عجيباً هذا التوافق مصادفةً في أن الدورة 159 لوزراء الخارجية العرب، التي دعت إلى استراتيجية عربية، تتجاوب تماماً مع الآية الكريمة 159 من سورة آل عمران؟!

