: آخر تحديث

سقوط التيجان أمام العظمة الدولية

24
22
32
مواضيع ذات صلة

تجذّرت الصعوبات وأقامت في أرض العرب بشكلٍ لافتٍ ومُخيف. يبدو الحال ثقيلاً بعد بلبنان وسوريا بما يجعلنا منقادين قطعاً إلى تفكيك معضلات التردّد لدى القادة، بل بثّ الشجاعة السياسية القادرة على حسم بل استيعاب المخاطر الكبرى الناشئة، على الأقلّ، في خطوات دول العظمة الدولية بأعناقها الدوّارة عن شبه القرار بين الشرق والغرب وكليهما رغم الصعوبات لا المستحيلات.

ما يحصل في بلدٍ عربي من قلقٍ داهم أو مقيم مثلاً يُشابه ما يحصل في بلدٍ آخر، لو تفحّصنا أعناقنا بأعقاب زلازل الربيع العربي وارتداداته المُقلقة المستمرّة بالتحديات المتراكمة بين الشرق والغرب ساحبةً الأنفاس والرؤوس والقرارات نحو روسيا وأوكرانيا، وكأننا حيال عالم متغيّر جديد يفترض عقولاً جديدة.


صحيح أن الموقد الأعظم سيزداد اتّقاداً هناك، لكن مواقد كثيرة أخرى سياسية وترتبط به عبر العديد من المثلّثات الدموية التي وقعت ولا يمكن نسيانها بسهولةٍ من تونس ومصر واليمن والصومال والعراق والسودان، وصولاً إلى سوريا ولبنان البلد الأصغر الذي يُغالي حكّامه في إشعال نيرانهم فوق السطوح.

أعني بالمثلّثات الدول أو الأنظمة تلك التي يحتضن كلّ منها زوايا ثلاثة قائمة على الشعب والجيش والنظام بمعنى القادة والحكّام وفطنتهم ومقارباتهم واستيعابهم لأبواب مصالح دولهم في عصر الحداثة والتحديث الفالت والمُقلق والمتطلّب الحكمة في الجرأة والقرار، سواء أكان هذا النظام قديماً أم مستحدثاً أم في طور التحديث على أنساق ما يتجاوز «الثورات» الجديدة/العتيقة، وفي ما يتجاوز أغنيات «الشعب يريد تغيير النظام» المستوردة بل المستولدة لكنها المتلوّنة والخطِرة والتي استنسخت التجارب الملغومة غير المحسومة بعد في نظافتها ومراميها نهائياً لا في أرحامها الغربية ولا في أجيالها الشرقية الذاوية. إنها تجارب فلشت ملامح خرائط توزّع لم تُكشفْ للعيان بعد ولم يُدرك العميان حجم تطلّعات السلطات العظمى.

النقطة الأعقد ربّما على الإدراك السياسي والشعبي في تلك المثلّثات المنعزلة والمتداخلة، هي زاوية الجيوش وبيع السلاح بالقوة، سواء كانت الأسباب أو النتائج دموية كما حصل في العراق بعد حلّ الجيش وشرذمته ما إن رفع رأسه من حروبٍ دامت عقداً كاملاً مع إيران، أو في ضمان حياديته وقوّته التي بقيت لفترةٍ متحيّرة بين القصر والساحات كما حصل وتمّ حسمها في مصر، أو في انخراطه المتجذّر الكامل في معارك الداخل كما حصل في سوريا التي أضناها التعب واندفع العرب بلهفةٍ نحو عناقها إثر الزلازل الكبرى التي أصابتها مؤخّراً في الشمال، وأعادت تجميع القبلات العربية، وإضاءة قاعات جامعة الدول العربية إلى لهفة الإمارات العربية المتحدة ومصر وغيرهما نحو دمشق العربية مجدداً، وبلحنٍ يتناغمٍ بين شرق وغرب، ويتجدّد برويّةٍ وبقوة.

قد يُربك لبنان بالنظرات القيادية الحمراء غير الصافية إلى زاوية الجيش الذي تتطلّع إليه أغلبية الشعب، بعدما رفعت الأغطية كليّاً لتُظهر عجز الحكّام الهائل في لبنان للخروج من الحفر الكثيرة. هذا اللبنان المتداخل شماله وشرقه مع سوريا بالمعنى الجيوستراتيجي، أي بشكلٍ غير مباشر مع الكثير من الأنظمة القريبة والبعيدة التي استمرأت التقاتل والتهديم هناك.

لنعترف بأنّ لبنان باقٍ بين دولةٍ لا يعترف بها هي فلسطين المحتلة ودولة شقيقة كبرى وكأنها لا تعترف به بحكم مونة التداخل الجغرافي والشعبي والإرادات العربية والغربية، بما يجعل اللبنانيين هائمين على حدّ السيف ويتبادلون الاتهامات والعمالات والتعاملات جزافاً سرّاً أو علانيةً، إلى درجةٍ نرى بأنّ العديد من حكّام لبنان وغيرهم لا يألفون النوم الهادئ منذ اغتيال رفيق الحريري في قلب بيروت التي حاول إخراجها من الخرائب والحرائق اللبنانية الطويلة إلى سبحة الاغتيالات والصور المرفوعة بالحداد والبؤس المقيم والمعروف شرقاً وغرباً.

بكلمتين، جعل الغرب من العرب أسواقاً لا يجب أن تشبع من اقتناء السلاح، بما جعل قادة العالم يخبطون رؤوسهم بجدران العظمة المتشاوفة إبرازاً للملامح الردعية والمُخيفة لمواجهة المستقبل، وكأن الجيوش التي وجدت أساساً للذود عن الأوطان وصيانة السيادة والاستقلال لا همّ لها سوى استهلاك تواريخها وتكديس السلاح لإمكانيات القتال الممنهج والعنيف داخل هذه المثلثات من الأوطان ونهاية رفع التيجان للعظمة الدولية، ناسين أننا في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي والوعي العالمي العام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد