لم يتأخر الأمر كثيراً حتى حضرت السياسة في خضم كارثة الزلزال المدمر الذي لم تشهد تركيا مثيلاً له ربما من 80 عاماً. فتركيا مقبلة بعد ثلاثة أشهر على انتخابات رئاسية ونيابية ستكون حاسمة للرئيس رجب طيب أردوغان وللمعارضة كذلك.
قبل الزلزال، كانت الاستطلاعات ترجح الكفة لمصلحة مرشح المعارضة الذي لم تتفق أحزاب "طاولة الستة" بعد على تسميته. والوضع الاقتصادي السيّئ، وعنوانه تدهور قيمة الليرة في مقابل الدولار، وارتفاع التضخم إلى نسبة 58 في المئة بفعل عوامل كثيرة من إغلاقات كورونا إلى حرب أوكرانيا إلى التمسك بخفض الفائدة، شكلت كلها عوامل أكلت كثيراً من رصيد أردوغان وحزب "العدالة والتنمية" الذي يتزعمه.
وأتى الزلزال اليوم ليغيّر من قواعد اللعبة الانتخابية. وبدأت الانتقادات تنهال على أداء الحكومة وكيفية تعاطيها مع هذه الكارثة الطبيعية. هذا ما وضع أردوغان وحزبه الحاكم في موقف دفاعي. وكلما انجلى غبار الزلزال ستتعاظم الأسئلة الموجهة الى الحكومة.
أردوغان يدرك ذلك تمام الإدراك. ولذا حرص منذ اللحظات الأولى للكارثة على أن يكون حاضراً في كل تفصيل وعلى مخاطبة الأتراك مباشرة وإبلاغهم لحظة بلحظة بما يجري، من حصيلة القتلى إلى أعداد المشاركين في عمليات الإنقاذ، إلى الطلب من الدول الخارجية مد العون، إلى إعلان عشر محافظات مناطق منكوبة تخضع لحال الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر. وأوعز إلى وزرائه بمتابعة عمليات الإغاثة وعقد مؤتمرات صحافية أكثر من مرة في اليوم، لتذكير المواطنين بما تقوم به السلطات في مواجهة الكارثة والتخفيف من مضاعفاتها على الناس.
لا شك في أن أردوغان الخبير في مخاطبة الرأي العام، قد يجد في الزلزال ضالته التي كان يبحث عنها من غير قصد، كي يعيد بعث شعبيته من جديد. لكن هذا كله يبقى مرتبطاً بمدى قدرة المعارضة على إقناع الناس بأوجه التقصير وبما كان على الحكومة فعله وتقاعست عنه.
زاد الزلزال من حمى المعركة الانتخابية وأملى على أردوغان والمعارضة على حد سواء، تغييراً في خطابيهما الانتخابي. في حين أن المواطن العادي المثقل أساساً بهمومه المعيشية سيجد نفسه غارقاً أكثر في تحمل أعباء أكبر.
ومنذ سنة تجتمع ستة أحزاب معارضة رئيسية في ما بات يعرف بـ"طاولة الستة" للاتفاق على برنامج مشترك تخوض على أساسه الانتخابات التي ستجري في 14 أيار (مايو) المقبل.
والمهمة الأصعب من وضع البرنامج، هي تلك المتمثلة في الاتفاق على مرشح واحد تدعمه "طاولة الستة" في مواجهة أردوغان. حتى الآن، لم يصر إلى الاتفاق على اسم هذا المرشح وإن كانت الترجيحات تذهب في اتجاه زعيم حزب "الشعب الجمهوري" كمال كليتشيدار أو زعيم حزب "المستقبل" رئيس الوزراء السابق أحمد داود أغلو أو زعيم حزب "الديموقراطية والتقدم" علي باباجان.
وتتحكم التوازنات السياسية في لعبة الاختيار. ذلك، أن أي مرشح لا يحظى بدعم حزب "الشعوب الديموقراطي" المؤيد للأكراد لن يكون في إمكانه إلحاق الهزيمة بأردوغان. وهذا يقلل من حظوظ رسو الخيار على داود أوغلو وباباجان كونهما منشقين عن حزب "العدالة والتنمية" وكانا من أوثق المقربين من أردوغان قبل أن يدب الخلاف بينهم ويختار كل منهما طريقه.
وأخذاً في الاعتبار هذا المعطى، تصير حظوظ كليتشيدار أكثر احتمالاً، لأنه يحظى بدعم حزب "الشعوب الديموقراطي"، بينما يفتقد داود أوغلو وباباجان هذه الميزة.
وكانت هذه هي المعطيات قبل الزلزال الذي قد يعيد خلط الأوراق، ويجعل الناخبين يتجهون نحو أردوغان مجدداً، أم يعتبرون أن آوان التغيير قد حان؟
تركيا على عتبة زلزال سياسي أيضاً؟
مواضيع ذات صلة

