لم يكن الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف، الأوكراني القومية، ينطلق من اعتبارات عرقية، حين قرر في العام 1954 إهداء جزيرة القرم لأوكرانيا ذات الأغلبية الروسية، وإنما كان، كأي ماركسي حالم في ذلك الوقت، يحسب أن الاتحاد السوفييتي باقٍ إلى الأبد، فلا هم لو اعتبرت القرم ضمن أراضي أوكرانيا، ما دام الجميع تحت مظلة الدولة السوفييتية. ولكن من حيث لم يرد زرع خروتشوف قنبلة موقوتة، ستنفجر في المستقبل الذي بتنا فيه.
قاتل الروس طويلاً عبر التاريخ من أجل أن تكون الجزيرة الاستراتيجية ضمن أراضيهم، حتى تمكنت الإمبراطورة كاترين العظمى وبعد حروب دامت عقوداً، من هزيمة العثمانيين وحلفائهم التتار في القرم في أواخر القرن الثامن عشر، وضمّها لإمبراطوريتها متناهية الأطراف، وفي الحرب العالمية الثانية وبعدها نفى ستالين فئات واسعة من التتار اختاروا التعاون مع ألمانيا النازية في نوع من الثأر من الروس، إلى مناطق روسية أخرى.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اعتبر الأوكرانيون أن القرم غنيمتهم من الدولة المنهارة، وهي بالفعل غنيمة لا تقدّر بثمن، ومع ازدياد انحياز النخب القومية المتعصبة في كييف إلى الغرب، بدأت في المطالبة بجلاء الروس من ميناء سباستوبول على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة، وهو مقر أسطول البحر الأسود الروسي الذي يضم الآلاف من عناصر القوة البحرية.
بقية الحكاية معروفة. أعلن فلاديمير بوتين الغاضب جداً مما يحسبه إهداء البلاشفة المجاني أراضي روسية لأوكرانيا، بإعلان ضمّ القرم إلى روسيا عام 2014، واضعاً الجميع أمام الأمر الواقع، بكل ثقة وتصميم، وعزّز هذه الخطوة بتشييد الجسر الذي يعدّ الأطول في أوروبا لربطها بأراضي روسيا، وقام هو بافتتاحه في العام 2018، ليقول لكل من يعنيه الأمر: لا عودة للوراء.
لم يكد بوتين ينتهي من الاحتفال بعيد ميلاده السبعين حتى أتاه الخبر الصاعق: تفجير على الجسر الاستراتيجي الذي بناه. إنها ضربة تمسّ هيبة روسيا ومهابته الشخصية أيضاً. بدا وجه بوتين الصارم دائماً مملوءاً بتعابير شحنة غضب عالية وهو يستمع لإفادة ألكسندر باستريكين، رئيس لجنة التحقيق التي أمر بتشكيلها، والتي خلص فيها إلى أن الاستخبارات الأوكرانية متورطة في التفجير، ومن فوره دعا بوتين لاجتماع لمجلس الأمن القومي تحضيراً لمرحلة لن تكون كما قبلها.

