إيلاف من الرباط: أعادت موجة الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب في فبراير 2026 طرح سؤال صادم على الرأي العام: كيف لبلد عانى لسنوات من الجفاف أن يجد نفسه فجأة أمام فيضانات جارفة أغرقت أحياء كاملة وأجبرت أكثر من 150 ألف شخص على الإجلاء، خاصة في سهلي اللوكوس والغرب؟
التحولات المناخية الحادة وضعت البنية التحتية المائية تحت ضغط غير مسبوق، وسط نقاش واسع حول كيفية إدارة فائض المياه في زمن الفيضان وضمان الأمن المائي في فترات الجفاف. وذكرت DW أن خبراء مغاربة يرون في ما حدث مزيجًا بين تطرف مناخي واضح واختلالات في التدبير، مع تأثير أكبر للعامل المناخي.
وأوضح الدكتور جواد الخراز، مدير شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، أن بعض المناطق سجلت تساقطات بلغت 150 ملم في اليوم، ما أدى إلى تدفقات ضخمة تجاوزت قدرة الأودية في السهول المنخفضة، كما امتلأت سدود بسرعة قياسية رغم عمليات التصريف الاستباقية.
من جهتها، شددت الدكتورة خديجة حبوبي، أستاذة هندسة الماء والبيئة، على أن التغير المناخي ليس العامل الوحيد، معتبرة أن تدهور الغطاء النباتي والمناطق الرطبة والسهول الفيضية قلّص قدرة الأحواض على امتصاص المياه وتنظيم جريانها، ما حوّل الأمطار الغزيرة من مورد حيوي إلى خطر داهم.
ويبرز في هذا السياق مشروع "الطريق السيار للماء"، الذي أطلقه المغرب صيف 2023 لربط الأحواض المائية ونقل فائض الشمال نحو محور الرباط-الدار البيضاء بطاقة تصل إلى 400 مليون متر مكعب سنوياً. ويرى خبراء أن المشروع يمكن أن يساهم في تخفيف خطر الفيضانات، لكن بحدود، نظراً لأن قدرة النقل (حوالي 15 متراً مكعباً في الثانية) تظل محدودة أمام ذروات فيضانية قد تبلغ آلاف الأمتار المكعبة في الثانية.
وأكدت حبوبي، في تقرير لـ DW، أن أي توسيع لهذا النوع من المشاريع يتطلب احترام شروط بيئية صارمة، من بينها الحفاظ على التوازن الهيدرولوجي وضمان حد أدنى من الجريان البيئي وتقليل البصمة الطاقية والكربونية.
وفي ظل تفاوت مستويات ملء السدود بين الأحواض، يدعو الخبراء إلى الانتقال من منطق "الملء الأقصى" إلى "التدبير الديناميكي"، عبر التصريف الاستباقي وخلق هوامش أمان قبل الذروات، وتعزيز الربط البيني، والاستثمار في التخزين الجوفي من خلال حقن المياه في الفرشات لتفادي ضياعها بالتبخر أو التصريف نحو البحر.
وتشير تجارب دول مثل ألمانيا وإسرائيل إلى أن التكيف مع التطرف المناخي يتطلب مزيجًا من الحلول التقنية والطبيعية، من منع البناء في الممرات الفيضية وتعزيز أحواض الاحتجاز، إلى التحلية وإعادة استخدام المياه والتخزين الجوفي الاصطناعي.
ويبدو أن المغرب بات أمام تحدٍّ استراتيجي جديد: الانتقال من تدبير الندرة إلى تدبير الوفرة، عبر رؤية متكاملة توازن بين السدود الكبرى والحلول البيئية المستدامة، وتستعد لواقع مناخي أكثر تطرفًا وتقلبًا في السنوات المقبلة.


