إيلاف من بيروت: مع بزوغ فجر الإثنين، الثاني من آذار (مارس) 2026، خلط حزب الله اللبناني الأوراق الإقليمية مجددا، مطلقا رشقات صاروخية ومسيرات هجومية صوب شمال إسرائيل. خطوة تصعيدية جاءت ردا مباشرا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي والهجوم الشامل على طهران، لتضع المنطقة أمام مخاض عسير. هذا القرار بفتح جبهة إسناد جديدة يطرح تساؤلات جوهرية حول توقيته، لا سيما وأن التنظيم يعيش أضعف مراحله العسكرية والسياسية إثر هزيمته المدوية في حرب 2024 وفقدانه لقاعدة قياداته وجنوده من الصفين الأول والثاني.
جسد منهك وشبكة مخترقة: العودة إلى المربع صفر
تجمع الدوائر التحليلية على أن حرب 2024 شكلت نقطة تحول قاصمة للحزب. ويؤكد المعهد الوطني للدراسات الأمنية الإسرائيلي أن التنظيم خرج من عملية "السيوف الحديدية" مهزوما ومنهكا، يكافح للتعافي بعد تصفية معظم قادته، وفي مقدمتهم حسن نصر الله. وتشير التقديرات إلى تدمير 10 إلى 15 بالمئة من القيادة والمواقع العملانية خلال 15 شهرا فقط، ما أحدث زلزالا في شبكة القيادة والسيطرة.
تجاوزت الضربات استهداف القادة لتشمل شل شبكة الاتصالات عبر تفجيرات "البيجر" في أيلول 2024، ما كشف عن اختراق استخباري كارثي. وقدرت دراسة لمجلة الحروب الصغيرة مؤشر مرونة الحزب بنهاية 2024 بين 0.2 و0.3، ما يعكس هشاشة غير مسبوقة. ورغم ذلك، يحذر تال بئيري، الخبير في مركز "آلما"، من أن قوة "الرضوان" لا تزال تحتفظ بنحو 2500 مقاتل وقدرات توغل محدودة ومخزون متزايد من الذخائر الدقيقة.
الارتهان العقائدي: جوهرة التاج الإيراني في مهب الريح
رغم هذا الإنهاك، اختار الحزب وضع مصلحة طهران فوق كل اعتبار. يؤكد علي لاريجاني، المسؤول الإيراني البارز، أن التنظيم ضعف بشكل كبير، لكنه يظل قويا بدوره المحوري ضمن محور المقاومة. ويصف المركز الأمريكي لسياسات الشرق الأوسط الحزب بأنه "جوهرة تاج شبكة الوكلاء الإيرانية"، ما يجعل الدفاع عن طهران أولوية وجودية. فامتناع الحزب عن القتال كان سيكلفه مكانته المركزية لصالح ميليشيات أخرى في العراق أو اليمن، بينما تدخله يغامر بجر لبنان المنهار إلى كارثة محققة.
انتفاضة السيادة: حظر السلاح وقرار المواجهة
في خطوة غير مسبوقة، لم تقف الدولة اللبنانية مكتوفة الأيدي أمام استباحة سيادتها. أعلن رئيس الوزراء نواف سلام، إثر جلسة حكومية مبكرة في القصر الرئاسي، رفضا قاطعا لأي عمل عسكري خارج مؤسسات الدولة، مؤكدا أن قرار الحرب والسلم حصري للدولة. وأصدرت الحكومة قرارا بحظر فوري لأنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، موجهة الجيش لمنع إطلاق الصواريخ وتقديم المخالفين للعدالة، مع المطالبة بنزع سلاح الحزب وحصره بيد الدولة.
يأتي هذا القرار استكمالا لمساعي 2025 لفرض السيادة ونزع السلاح. ومع إدراك صعوبة تنفيذه ميدانيا في ظل تهديدات إسرائيلية ونقص موارد الجيش، يرى محللون أن الخطوة تحمل رسالة سيادية قاطعة للمجتمع الدولي برفض تحويل لبنان إلى منصة صواريخ، وتؤسس لخطاب يعيد احتكار الدولة لقرار السلم والحرب، لتجنب ويلات صدام داخلي أو حرب أهلية جديدة.
السيناريو المرعب: حشود عسكرية وإخلاء للقرى
على الجانب الآخر، حوّلت إسرائيل المشهد إلى مساحة تهديد مفتوح. فقد قدر الجيش الإسرائيلي تعبئة نحو 100 ألف جندي احتياط، ونشر أغلبيتهم على الحدود اللبنانية، بالتزامن مع إصدار أوامر إخلاء لسكان ما بين 53 و55 قرية وبلدة في الجنوب والبقاع، محذرا من التواجد ضمن مسافة ألف متر من القرى. هذه التحركات تعكس استعدادا لاجتياح بري واسع وتدمير ممنهج لما تبقى من بنية الحزب العسكرية، لامتصاص أي صدمة وتوجيه رسالة ردع صارمة.
توازن الرعب الهش: تصعيد مدروس أم انزلاق نحو الهاوية؟
يقف الطرفان اليوم في مساحة من "التوازن المقيد". إسرائيل، التي حيدت 70 بالمئة من قوة نيران الحزب و80 بالمئة من منظومات "الرضوان"، تتجنب التورط في حرب برية مكلفة على جبهتين استنادا لتجربتها المريرة في غزة. في المقابل، يطلق حزب الله، الذي لا يزال يمتلك آلاف الصواريخ الدقيقة ومنظومات دفاعية، رشقات محدودة لإثبات الحضور إسنادا لطهران، دون الدفع بقواته للتوغل الواسع.
هو قرار لتنظيم محاصر بين ضغوط المحور الإيراني المطالب بالدفاع عن مركزه، وتهديدات الاجتياح الإسرائيلي، ورفض داخلي لبناني ينذر بانفجار مجتمعي وشيك وسط انهيار سياسي واقتصادي غير مسبوق.


