إيلاف من بيروت: في ظل تصاعد حدة التوترات العسكرية على الجبهة اللبنانية الجنوبية، وتوسع دائرة الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل، كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة عن حراك سعودي نشط تقوده الرياض لإعادة رسم خطوط الحماية حول الدولة اللبنانية. وتأتي هذه التحركات التي يقودها الأمير يزيد بن فرحان، عقب الرشقات الصاروخية الأخيرة التي أطلقها حزب الله نحو إسرائيل، والتي رفعت منسوب القلق الإقليمي من انزلاق لبنان نحو حرب شاملة لا طاقة له بها.
وفيما يواجه الشرق الأوسط زلزالاً جيوسياسياً غير مسبوق إثر اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة تقودها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران، وهي حرب تجاوزت قواعد الاشتباك التقليدية لتصل إلى استراتيجية معلنة تهدف إلى "إسقاط النظام" في طهران وتصفية قياداته، يأتي التدخل السعودي الاستثنائي والعاجل في العاصمة اللبنانية بهدف هندسة جدار حماية دبلوماسي يقي لبنان من الارتدادات المدمرة لهذه المواجهة الشاملة.
التحرك السعودي، الذي تجسد في اتصالات مكثفة مع "الرؤساء الثلاثة" في لبنان، يعكس إدراكاً عميقاً في الرياض لخطورة اللحظة التاريخية؛ فاستمرار ارتباط الساحة الجنوبية اللبنانية بالمسار الميداني الإيراني يعني حكماً تحويل لبنان إلى خط دفاع متقدم تتلقى فيه بنيته التحتية ومؤسساته ضربات استباقية وانتقامية. وتسعى الدبلوماسية السعودية من خلال هذا الحراك إلى سحب الذرائع، وإلزام الأطراف الداخلية بتحييد مؤسسات الدولة الرسمية عن صراع المحاور، لقطع الطريق على أي محاولة إيرانية لاستخدام حزب الله كورقة تفاوض أو أداة لتخفيف الضغط العسكري الهائل الذي تمارسه واشنطن وتل أبيب على العمق الإيراني.
وتأتي مساعي الرياض لتحييد لبنان عن الحرب في وقت تستميت فيه طهران لتفعيل مبدأ "وحدة الساحات"، محولةً العواصم الحليفة لها إلى منصات لاحتصاص الصدمة الأميركية الإسرائيلية. ووسط هذه المعادلة المعقدة، تضع السعودية الطبقة السياسية اللبنانية أمام مسؤولية مصيرية: إما الانضواء تحت مظلة "الدولة" والتمسك بقرارات الشرعية الدولية للحفاظ على الكيان اللبناني، أو ترك البلاد تنزلق نحو تفكك شامل لا رجعة فيه إذا ما أصرت الفصائل المسلحة على ربط مصير بيروت بمصير النظام في طهران.


