: آخر تحديث
يوم عاصف على خلفية أزمة سياسية

برلين 76: المهرجان العريق تحت وطأة الإنتقادات والإنسحابات

7
6
6

إيلاف من برلين: لم يكن اليوم الثاني من الدورة الـ76 لـمهرجان برلين السينمائي الدولي يومًا اعتياديًا. بين قاعات ممتلئة بالعروض، ومؤتمرات صحفية مزدحمة، تصاعدت في الخلفية أزمة سياسية ألقت بظلالها الثقيلة على الحدث، بعدما أعلنت الكاتبة الهندية الحائزة على جائزة بوكر أرونداتي روي انسحابها من المهرجان، احتجاجًا على تصريحات رئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز حول ضرورة إبقاء السينما "بعيدًا عن السياسة".

روَي وصفت تلك التصريحات بأنها "صادمة ومقززة"، معتبرة أن الفن لا يمكن فصله عن سياقه الإنساني، ولا عزله عن الأسئلة الأخلاقية التي يطرحها العالم اليوم. موقفها أعاد إلى الواجهة النقاش القديم – الجديد حول علاقة السينما بالسياسة، خصوصًا في مهرجان عُرف تاريخيًا بانخراطه في القضايا الكبرى، من الحرب الباردة إلى قضايا اللجوء والعدالة الاجتماعية.

وفي السياق ذاته، أكد المهرجان انسحاب نسختين مرممتين من فيلمي "أغنية توحة الحزينة" للمخرجة المصرية عطيات الأبنودي، و"انتزاع الكهرمان" للمخرج السوداني حسين شريف، استجابة لدعوات المقاطعة. كما انضم المنتج والمخرج السوداني أمجد أبو العلا إلى قائمة المنسحبين، في خطوة تعكس تصاعد الاحتجاجات الثقافية داخل المهرجان، وإن اختلفت دوافع كل طرف.

إدارة برليناله أعربت عن احترامها لهذه القرارات، مع أسفها لغياب أعمال وصفتها بأنها كانت ستثري البرنامج الفني، مؤكدة في الوقت نفسه التزامها بمساحة الحوار والتعددية.

عاصفة أخرى، لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي والمجتمعي المحيط بالدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، تفجّرت في المؤتمر الصحفي لفيلم "بيت الحس"، الفيلم العربي الوحيد في المسابقة الرسمية هذا العام، للمخرجة التونسية ليلى بوزيد.

العمل، الذي يتناول علاقة مثلية داخل سياق عائلي تونسي، فتح بابًا واسعًا للنقاش حول الهوية، الحرية، والانتماء، ليس فقط بوصفه موضوعًا دراميًا، بل كمرآة لتحولات اجتماعية وثقافية تعيشها المنطقة. القاعة كانت ممتلئة، والأسئلة لم تكن فنية خالصة؛ بل امتزجت بالسياسة، والهجرة، وصورة المرأة العربية في السينما المعاصرة.

الفنانة الفلسطينية العالمية هيام عباس، إحدى بطلات الفيلم، كانت في قلب النقاش. في إجابة مباشرة على سؤال حول تأثير العيش في الغرب على قناعاتها، قالت:

 "لا أعتقد أن العيش في العالم الغربي غيّر قيمي… كنت دائمًا أطرح الأسئلة."

وأضافت بنبرة شخصية واضحة:
 "أنا أحب جذوري… أحب فلسطين وهويتي العربية."

تصريحات عباس بدت كأنها إعادة تعريف لمعادلة الهوية: ليست انقطاعًا عن الأصل، ولا ذوبانًا في الآخر، بل مسار تطوّر ذاتي يقوم على السؤال والمواجهة.

من جهتها، شددت بوزيد على أن فيلمها لا يسعى إلى الاستفزاز، بل إلى التقاط واقع موجود. أكدت أن السينما بالنسبة لها ليست منصة شعارات، بل مساحة إنسانية لرواية الحكايات، وأن الشخصيات تُكتب من الداخل، لا من موقع بيان سياسي.

العرض الصباحي للفيلم شهد حضورًا كامل العدد، مع تفاعل واضح من الجمهور، فيما تتصاعد تكهنات بعدم إمكانية عرض الفيلم في عدد من المهرجانات أو الصالات العربية، نظرًا لحساسية موضوعه. وبين الاحتفاء الفني والتحفظ الثقافي، يبدو "بيت الحس" فيلمًا محكومًا بأن يعيش جدله خارج الشاشة بقدر ما يعيشه داخلها.

ميشيل يوه… "الدب الذهبي الفخري" بين الصمت السياسي والإيمان بالسينما

تسلّمت الممثلة الماليزية الحائزة على الأوسكار ميشيل يوه "الدب الذهبي الفخري" ضمن فعاليات الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، في لحظة احتفائية بدت، رغم بساطتها، محمّلة بدلالات مسيرة طويلة من المثابرة.

وخلال مؤتمرها الصحفي، تجنّبت يوه الخوض في الشأن السياسي الأمريكي، قائلة:
"من الأفضل عدم التحدث في أمور لا أعرفها"،
مضيفة أنها تفضّل التركيز على ما يعنيها فعلًا: السينما.

ورغم الأسئلة التي حاولت جرّها إلى سياقات أوسع من الشاشة، ظلّت إجابتها واضحة: الإيمان بالمهنة أولًا. شددت على ثقتها بمستقبل الشاشة الكبيرة رغم هيمنة المنصات الرقمية، مؤكدة:
"لا أصدق أن السينما لن تستمر… الذهاب إلى السينما وقت مخصص لذاتك، تغلق هاتفك، تفتح قلبك وتحرر عقلك."

حديثها بدا كأنه دفاع هادئ عن طقس المشاهدة الجماعي، في زمن الاستهلاك الفردي.

كما استذكرت التحديات التي واجهت الأفلام ذات الطاقم الآسيوي، متوقفة عند تجربتي Crazy Rich Asians وEverything Everywhere All at Once، معتبرة أن نجاحهما تطلّب "شجاعة لأنه خالف كل التوقعات". وأشارت إلى أن وجودها اليوم حاملةً "الدب الذهبي" ليس صدفة، بل ثمرة "المثابرة والصلابة والإصرار".

في وقت تتصاعد فيه النقاشات السياسية داخل أروقة المهرجان وخارجه، بدا ظهور يوه أقرب إلى لحظة توازن: احتفاء بفنانة صنعت مسارها خارج القوالب الجاهزة، من دون أن تنجرّ إلى سجالات اللحظة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ترفيه