إيلاف من برلين: بات حضور السياسة في مهرجان برلين السينمائي الدولي أمرًا شبه ثابت، حتى غدا الحديث عنه تكرارًا مألوفًا في كل دورة. فمنذ افتتاح المؤتمر الصحفي للجنة تحكيم المسابقة الدولية هذا العام، برئاسة المخرج الألماني المخضرم فيم فندرز، وعضوية كل من مين بهادور بهام، باي دونا، شيفيندرا سينغ دونغاربور، رينالدو ماركوس غرين، هيكاري، وإيفا بوشينسكا، بدا واضحًا أن النقاش لن يظل حبيس حدود الأفلام.

من اللحظة الأولى، اتجهت الأسئلة إلى ما هو أبعد من اللغة السينمائية وأدواتها، نحو قضايا الحرب والسياسة، والتعاطف، وحدود الحقيقة والخيال. ومع توالي الإجابات، كان الشعور يتكرّس بأننا أمام مؤتمر صحفي ذي طابع سياسي بامتياز، أكثر منه جلسة مخصّصة للحديث عن الفن وصناعة السينما.
الأفلام لا تغيّر السياسيين… لكنها تغيّر الناس
حين سُئل فيم فندرز عمّا إذا كانت السينما قادرة على تغيير العالم في زمن تحاصره الحروب، أجاب مازحًا: "لا!". قبل أن يستدرك موضحًا أن الأفلام قادرة فعلًا على إحداث تغيير، لكن ليس بالطريقة المباشرة التي يتوقعها البعض.

قال: "لا يوجد فيلم غيّر أفكار أي سياسي. لكن يمكننا أن نغيّر الفكرة التي يحملها الناس عن كيفية عيش حياتهم."
بهذه الجملة، اختصر فندرز رؤيته لدور السينما: ليست أداة ضغط سياسي، بل قوة ناعمة تتسلل إلى الوعي الفردي، وتعيد تشكيل الحساسية الإنسانية.
وأضاف أن هناك فجوة واضحة بين الناس الذين يريدون ببساطة أن يعيشوا حياتهم، وبين الحكومات التي تمتلك تصورات أخرى، معتبرًا أن السينما "تدخل في هذه الفجوة". فهي لا تصدر قرارات، لكنها تخلق مساحات للفهم.
وأكد رئيس لجنة تحكيم المسابقة الدولية في مهرجان برلين السينمائي الدولي أن السينما تمتلك قدرة استثنائية على خلق التعاطف، موضحًا:
"الأخبار لا تتعاطف. السياسة لا تتعاطف. لكن الأفلام تفعل."
برليناله… لا يشبه غيره
أما عن خصوصية المهرجان، فجاء السؤال المباشر: "ما الذي يميز البرليناله عن غيره؟"
يرى فندرز أن فرادة برلين تكمن في تنوّعه، قائلًا:
"في برلين يمكنك أن ترى وجوهًا متعددة للعالم أكثر من أي مهرجان آخر."
وأشار إلى أن كل فيلم يصل إلى المسابقة يحمل مقاربته الخاصة، سواء على مستوى القصة أو الأداء أو المكان أو الأسلوب. لا يوجد معيار واحد للحكم، ولا صيغة جاهزة للتميّز. فكل مخرج يختار توازنه الخاص بين عناصره الفنية، وكل عمل يفرض منطقه الداخلي.

وهنا تحديدًا تكمن روح برلين: فسيفساء عالمية من الأصوات والرؤى، تجعل النقاش دائمًا أوسع من الشاشة… وأعمق من مجرد فيلم.
ليلة هادئة… على عكس الصباح
بعد صباح مشحون بالأسئلة السياسية والنقاشات الحادة، جاءت أمسية افتتاح الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي أكثر هدوءًا واتزانًا.
المديرة الفنية للمهرجان تريشيا تاتل لم تُطل الكلمة. رحّبت بالحضور بإيجاز، وعبّرت عن سعادتها بالحضور الكثيف لما وصفته بـ"الجمهور الشاب"، خصوصًا في عروض قسم الكلاسيكيات، معتبرة ذلك انتصارًا للسينما ذاتها، لا مجرد نجاح برامجي.

أشارت تاتل إلى أن صناعة السينما لا تزال بحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية وتعزيز استدامتها، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الصناعة "بخير"، بل وفي "حالة ازدهار وتميّز". خطاب متوازن، يعترف بالتحديات دون الوقوع في نبرة تشاؤمية.
تكريم ميشيل يوه
اللحظة الأبرز في الحفل كانت تكريم الممثلة العالمية ميشيل يوه بالدب الذهبي الفخري، الذي سلّمها إياه المخرج الأميركي شون بيكر.
قالت يوه إن جائزة "إنجاز العمر" ليست خاتمة لمسيرة، بل نقطة تحوّل تفتح بابًا لمرحلة جديدة أكثر انتقاءً ووعيًا. وأكدت، بنبرة صادقة، أنها ما تزال "ممثلة في طور التكوين"، وأن بداخلها عنادًا وطاقة تدفعانها للاستمرار والتجريب. خطاب بدا أقرب إلى إعلان بداية جديدة، لا احتفال بنهاية طريق.

واختُتم اليوم بعرض فيلم الافتتاح "لا رجال صالحون" للمخرجة الأفغانية شهريانو سادات، وهو عمل رومانسي كوميدي تدور أحداثه في كابول قبيل سقوطها عام 2021، ويتتبع قصة مصوّرة تلفزيونية تقع في حب أحد أبرز صحفيي محطتها.

فنيًا، بدا الفيلم متواضعًا، أقرب إلى عمل خفيف يراهن على الطابع الإنساني لكنه كان مباشراً بشكل فج. غير أن أكثر ما أثار الجدل كان تضمّنه قبلة رومانسية، في سابقة وُصفت بأنها الأولى في فيلم أفغاني يُعرض بهذا الشكل على الشاشة. خطوة جريئة في سياق اجتماعي محافظ.
وعند سؤالها عن المشهد، أكدت المخرجة أن القبلة جاءت "في سياق درامي"، لا بهدف إثارة الجدل. إجابة مألوفة في مجتمعاتنا العربية أيضًا، حيث غالبًا ما يُقال إن "الدور الجريء له مبرر درامي" — عبارة تتكرر كلما لامس العمل منطقة حساسة بين الفن والمجتمع.


