أصيلة: على مدى يومين، تدارس أزيد من 20 سياسياً وأكاديمياً عربياً في خمس جلسات علمية موضوع "التماسك الاجتماعي والتنوع في نظم التعليم العربية"، من جوانب مختلفة، أجمعت غالبيتها على مركزية التعليم في ضمان التماسك الاجتماعي وأقرت بضعفه والحاجة إلى التجديد في برامجه وأساليبه من أجل كسب الرهانات المنتظرة منه.
وأكد المشاركون في الندوة الثالثة من فعاليات منتدى أصيلة ال 41،على أن مختلف النظم التعليمية بالمنطقة العربية تبقى متخلفة مقارنة مع الدول المتقدمة، بحيث أجمعوا على أن هذا التعثر يزيد من تعميق الفجوة بين العالم العربي ونادي الدول المتقدمة.
وقال كايد هاشم، نائب الأمين العام للشؤون الثقافية في منتدى الفكر العربي، إن الدول العربية "لا تزال تعتبر خارج دائرة المنافسة في التعليم"، مؤكدا على أن الاضطرابات والحروب التي عاشتها بعض دول المنطقة أدت إلى إخراجها من دائرة التصنيف، في إشارة إلى ما تواجهه سوريا وليبيا واليمن من تداعيات انتفاضات الربيع العربي.

وشدد هاشم على أن إصلاح التعليم في المنطقة العربية يمر أساسا عبر التركيز على تطوير المهارات والبرامج والمخططات لتخريج طلبة مؤهلين للاندماج في سوق العمل، مؤكدا أن هذا المدخل ضروري لتحقيق النهضة وتنمية اقتصادات صناعية قادرة على المنافسة عالميا.
ودعا المتحدث ذاته الدول العربية إلى وضع أسس جديدة للعمل العربي المشترك، وطالب حكوماتها ببذل المزيد من الجهود لاستدراك وتجاوز الفجوة الرقمية التي عدها المؤثر الأساسي في التحولات الاجتماعية التي تشهدها بلدان المنطقة.
من جهته، أكد أحمد ولد سيدي أحمد، وزير خارجية موريتانيا الأسبق، على أن التعليم يمثل حجر الزاوية في تنمية المجتمعات العربية واستقرارها، موضحا أن موضوع التماسك الاجتماعي من المواضيع التي تطرح نفسها بقوة في المنطقة العربية.
وأضاف ولد سيدي أحمد أن المنطقة العربية عرفت "مشاهد مؤلمة من الصراع العنيف الذي أثر في المجتمعات العربية انعكس سلبا على تنشئة جيل كامل"، مبينا أن النظام التربوي الذي يشكل حاضنة للتماسك الاجتماعي والقيم يعاني من "الاختراق الثقافي المتزايد".

وأفاد وزير الخارجية الموريتاني الاسبق بأن الاختلالات التي تواجهها النظم التعليمية بالبلاد العربية جعلها "أداة لتعميق الفوارق الاجتماعية وتجذير الهوة بين طبقات المجتمع"، مبرزا أن هذا الوضع يطرح تحديات نوعية على دول المنطقة، ويفرض عليها ضرورة استخلاص التجارب والدروس لتدارك الاختلالات الحاصلة.
بدوره، سجل الخمار العلمي، الأكاديمي المغربي المختص في سوسيولوجيا التربية، ان من ميزات العالم المعاصر هو "الشكوى من الاختلال الكبير في منظومة القيم"، موضحا أن العقود الثلاثة نتجت عنها "تحولات كبيرة من الانتقال نحو الذكاء الاصطناعي".
وأضاف العلمي بأن المنظومة التربية إما أن تكون أداة ل"تغيير القيم أو ترسيخ القيم الجديدة المبنية على العولمة"، معتبرا أن التحدي الأكبر الذي تواجهه النظم التعليمية بالبلاد العربية هو "التحدي الأخلاقي الذي يجعل المؤسسات التعليمية أمام مهمة إنتاج قيم جديدة ملائمة للعصر".
ولفت العلمي إلى التغير الحاصل على مستوى مصادر إنتاج القيم كان نتيجة "التحول الكبير الذي ينتج عن سياق معولم يقوم على الهيمنة الناعمة التي يقبلها الكل وتجعل النزاع ليس بين الآخرين ومن يخضع لهم، بل تجعل الكل خاضع لسلطتها".
من جانبه، اعتبر علي محمد فخرو، المفكر السياسي ووزير التربية والتعليم الاسبق في البحرين، أن الحل يوجد في السياسة وليس التعليم، محذرا الدول العربية مما سماه "محاولة استهداف حقيقية من جهات خارجية وداخلية وبالذات في الكيان الصهيوني المحتل للأرض الفلسطينية".
واتهم فخرو إسرائيل بالسعي إلى "تجزيء المجزأ وإيجاد "سايكس بيكو" جديدة في كل المنطقة العربية من دون استثناء"، مؤكدا أن الأطراف التي لم يسميها وأسرائيل تريد إدخال الأرض العربية في "صراعات لا تنتهي، تتعلق بالجغرافيا والطائفية والمذهبية والدينية والقبلية وغيرها من الأمور التي تدمر المجتمع".
وزاد المتحدث ذاته مبينا أن الجهات المعادية للعالم العربي تسعى لربط المجتمعات ب"العولمة والنيوليبرالية بحيث تصبح الأرض العربية سوقا للبضاعة التي ينتجها الآخرون وتستهلك فقط"، ودعا إلى مواجهة هذا التوجه الرامي لإبقاء الدول العربية في تخلف "تكنولوجي وعلمي وثقافي من خلال أشكال عدة من التدخلات".
من جهتها، طالب لمياء المبيض بساط، عضو لجنة خبراء الأمم المتحدة للخدمة العامة، الحكومات العربية والمجتمع المدني بالتركيز على الثورة الرقمية وعولمة المعرفة التي أصبح التعليم عن بعد سمة بارزة لها.
وأكدت الخبيرة اللبنانية بأن مستقبل التعليم والتربية مرتبط بهذه الثورة ب"تقنيات النانو ثورة الهندسة الوراثية"، وشددت على أهمية الخروج من حالة الذهول العربي أمام هذه التطورات المتسارعة إلى حالة المواكبة واللحاق بالركب العالمي.
وأفادت بساط بأن هذا التوجه في التعليم "سيكون له دور محوري في تشغيل الشباب وهذه التقنيات ستكون لاعبا مؤثرا في سوق العمل على حكوماتنا العربية أن تركز عليها"، مشددة على أن "تنافسية اقتصادنا العربي مرتبطة بهذا الأمر ومدى الاستعداد للتكنولوجيا".
أما صلاح جرار، وزير الثقافة الأردني الاسبق ، فسجل بأن الدول العربية جميعها تشهد تنوعا ثقافيا كبيرا يجعل منها مجالات حقيقية للتعايش والتنوع الثقافي، معتبرا أن الدول التي فشلت في مشاريع النهضة "أخفقت في التوفيق بين التنوع الثقافي".
ودعا جرار إلى أهمية معالجة مسألة الهويات الفرعية داخل المجتمع، مشددا على أن التنوع الثقافي رافعة من روافع النهوض والتطور، ولفت إلى أن هذا التنوع في المنطقة العربية غدى "مصدرا للتفكك والصراعات التي تظهر في المنطقة".
وزاد جرار موضحا أن التنوع الثقافي "سلاح ذو حدين، فإذا كان في أيدي أنظمة أمينة فإنها تستفيد منه وتوظفه في تحقيق التطور والتنمية، وإذا كان في يد أنظمة استبدادية فإنها تستغل هذا التنوع لحماية أنفسها وضمان بقائها".
بدورها، حذرت الإعلامية المغربية فاطمة النوك، من الصورة النمطية التي يقدمها الكتاب المدرسي عن المجتمعات العربية ودور المرأة فيها، معتبرة أن هذا الأمر يعكس حالة المجتمع العربي ونوع التخبط الذي يعيش فيه.
وانتقدت النوك تغييب النماذج المشرقة للمرأة المغربية في الكتاب المدرسي بالمغرب وغيره من الدول العربية، معتبرة أن هذا الأمر يطرح "إشكالا كبيرا ويتناقض مع التغير الذي شهده المغرب والدستور المغربي الذي ينص على المناصفة والمساواة".
وأشارت النوك إلى أن التحدي الذي تواجهه النظم التعليمية العربية هو "جعل المتعلم مواطنا كونيا"، الأمر الذي يستدعي بالضرورة "الايمان بالقيم العليا لحقوق الانسان وعلى رأسها المساواة بين الجنسين".
وعكس غالبية المداخلات، ذهب عبد الله ساعف، الأكاديمي ووزير التربية والتعليم المغربي الاسبق، إلى أن قضايا البرامج والمناهج التربوية والتعليمية بذلت فيها الدول العربية مجهودات "هائلة ولا يجب احتقارها".
ودعا ساعف إلى عدم تحميل التعليم أكثر من طاقته، حيث قال: "نطلب من التعليم الكثير من الأمور، أن يواكب التحولات الاجتماعية ويلعب دورا أساسيا في بناء مجتمع المعرفة ويكون أداة محددة في تغيير القيم أو المحافظة عليها، ويساعدنا على الانتقال الديمقراطي ونشر ثقافة المواطنة، هل يمكن للمنظومة التعليمية أن تقوم بهذه الأمور كلها؟ أعتقد أننا نحمل المنظومة التعليمية أكثر مما تحتمل".
وسجل وزير التربية والتعليم الاسبق "بأننا في المغرب نتحدث منذ سنة 1956 عن أزمة التعليم ، وهذا خطاب أزموي". وشدد على ضرورة الخروج من الرؤية الأزموية للتعليم ، وقال ان ذلك " مسألة أساسية إذا أردنا أن نرفع التحديات".
وأكد ساعف بأن هناك حالة نفسية تتدخل فيها عوامل سوسيولوجية عدة، وهي نوع من تصفية الحسابات مع السلطة من قبل الحركية الاجتماعية التي برزت في المرحلة الأخيرة والتي لم يعد يقنعها التعليم، ودعا إلى ما سماه "التفاؤل المأساوي والإيمان بوجود هامش للحركة والانتقال إلى وضعية أحسن".
وشدد المتحدث ذاته، على عدم وجود "إصلاح شمولي للمنظومة التعليمية، ولكن هناك إصلاحات والاستراتيجيات الموجودة حتى الآن نتائجها لن تظهر إلا بعد عشر سنوات"، مؤكدا أنه يصعب محاسبة السياسات العمومية التي برزت في شكل استراتيجيات، لأن المسؤولين المتعاقبين على تدبير ملف التعليم يتغيرون بشكل مستمر وهذا يؤثر في النتائج.
وأشار ساعف إلى أن المؤسسات التي تقبل الطلبة على أساس الامتياز في المعدل "غيرت التقاليد بالدروس الإضافية وأصبحت العائلات تتسابق ليحصل الإبن على المعدلات المطلوبة"، معتبرا أن هذا الأمر دفعنا "لخلق نخبوية فارغة بدون قيم، وغول على المستوى الوطني وأصبح قناعة لدى المجتمع وووصلنا الى حالات مرضية خطيرة تفرض علينا مراجعتها".
من جهتها،قالت منى مكرم عبيد، أستاذة محاضرة في العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، إن أهم ما يميز عملية إعداد الأجيال الجديدة للتعامل مع القرن الواحد والعشرين، هو الثورة العلمية الرابعة أي المرحلة الرقمية وثورة المعلومات.
وأضافت عبيد أن هذا الوضع يصبح المحك التربوي التعليمي هو "اكتساب مهارات التعامل مع الشبكات المعلوماتية من ناحية واستيعاب وفهم ما يقدم من معلومات ومعارف وكيفية توظيف ذلك في الحياة العملية اليومية".
وشددت الأكاديمية المصرية على أن السباق المعرفي هو الذي سيحدد "مكانة وترتيب أي مجتمع في الماضي والمستقبل"، واشارت إلى أن متوسط الدخل في جزيرة سنغافورة أعلى منه في دول اوروبا مثل الولايات المتحدة بسبب التفوق التقني والرقمي.
وزادت مبينة "نحن أمام معركة تثوير العملية التربوية وهي الثورة لا يمكن من دونها العبور إلى شواطئ المعرفة الآمنة"، كما دعت إلى إحداث "ثورة تربوية علمية شاملة"، ولفتت إلى أن المنطقة العربية عرفت "العديد من الثورات الانقلابية إلا التربوية.
من جانبه، سجل رياض يوسف حمزة، رئيس جامعة البحرين، بأن الفجوة الرقمية ليست هي الفجوة الوحيدة التي "يعاني منها النظام التعليمي العربي"، مؤكدا أن الفجوة المتزايدة هي "انتشار الأمية التي بلغت تسبتها في المنطقة العربية 21 في المائة"، بالتزامن مع بروز جيل اجتماعي جديد يتواصل من خلال التقنيات الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي.
في غضون ذلك، أكد رياض يوسف حمزة، رئيس جامعة البحرين، على أن قضايا المنظومة التربوية والتعليمية في العالم العربي لا يمكن تجاوزها في إنجاز "التحول الثقافي والاجتماعي وحماية الهوية الثقافية واللحاق بالعالم في قضايا التكنولوجيا والتنمية".
واعتبر حمزة أن العالم العربي في حاجة إلى إعادة النظر في المنظومة التعليمية من خلال "التوفيق بين متطلبات الاندماج الاجتماعي والتماسك الأمني ومتطلبات الإبداع لتحقيق التنمية الثقافية والتطور ضمن منظور تربوي شامل".
أما الباحث المغربي، المختار بنعبدلاوي، فاعتبر أن مد الخوصصة والحضور الوازن لرأس المال في المجال التعليمي، من أهم "الإشكاليات والتحديات التي تواجهنا اليوم"، وشدد على أهمية التفكير في كيفية استيعاب هذا المد الذي أصبح "يحاصرنا".
ودعا بنعبدلاوي إلى التوافق على سن ضوابط تضمن للمنظومة التربوية والتعليمية في الوطن العربي "الانسجام والاندماج الاجتماعي"، مقرا بتأثير التحولات السياسية الدولية التي يعيشها العالم في توازن المنظومة التعليمية بالمنطقة العربية.
وأضاف الأكاديمي المغربي بأن متطلبات السوق والتوازنات المالية "لا تعطي الأهمية اللازمة لقضايا الاندماج الاجتماعي، وذلك في زمن أصبح فيه وضعنا على مستوى مسألة الهوية في غاية السوء" لافتا إلى أن ما سماها "أشباح الهويات القاتلة" أصبحت تخرج من الكهوف والمغاور لكي تفرض نفسها بديلا للقيم التي تطرح كقيم حداثية".


