: آخر تحديث

كوالا في الناصرية

31
33
11
مواضيع ذات صلة

عشتُ حالةً من الحزنِ في اعقابِ الحريقِ في مستشفى الناصرية. في السادس عشر من تموز عرضتْ القناةُ التلفزيونية الألمانية ـ الفرنسية المشتركة (ARTE) تقريرا مصورا عن الحرائقِ في جنوب استراليا. حيوانُ الكوالا كان الضحيةَ الأولى. على تخومِ الغابةِ اقامَ أطباءٌ متطوعون مستشفىً متنقلا لمعالجة الكوالا والحيوانات الأخرى.
تداخل الحدثان عندي، فسجلت اثناء مشاهدتي الفلم ملاحظاتٍ مرتبكة على ظهر بطاقة دعوة لمعرضٍ تشكيلي. بعد الظهر بدأت بكتابة النص وانتهيت منه في اليوم التالي.

كوالا في الناصرية 
منير العبيدي

تبحثُ الشقراءُ 
في الغاباتِ الجرداءِ
عن شيءٍ ما....
الحريقُ
غادرَ الغاباتِ وخلّفْ
اعجازاً من شجرٍ خاوٍ.
خمد اللهبْ
 لكنْ
 ما انفكّ
من هشيمِ الأرض منبعثاً
دخانٌ فيهِ شواءْ

متوجسةً سارتْ 
على الأرضِ 
ذاتِ الهسيسِ والدخان
الشقراءُ ترى 
كوالا ممسكاً بجذع الشجرةْ
بمخالبَ كالسكين تشبثْ
بلحاءِ الشجر الذي قاومَ 
عسفَ النار
مرعوبا كان
قدماهُ احترقتا
من نار ما طالته لكن
لحست اقدامه.
تنتزع الشقراءُ 
الكوالا المتشبثَ،
المرعوبَ من النار ومن 
المِ الحرقِ
عن اديمِ الشجرةْ
في قفصٍ تنقله  
لأقربِ مستشفى

ـ لدينا اقسامٌ كثرٌ
هل هو كوالا؟
ـ نعم، انه كوالا!
ـ هنا قسم الكنغر، اذن 
اسعِ به لردهة الكولا
ـ اين؟
ـ في مستشفى الناصرية

في ردهةِ الكوالا في مستشفى الناصريةِ، عيونُ الكوالا الطفوليةُ تراقبُ بفضولٍ الداخلَ والخارجْ. أطباءُ بمعاطفَ بيضٍ يسعونَ ذهاباً وإيابا متنقلين بينَ الاسرة. صغارُ الكوالا ينتظرون امّهاتِهم. عشراتٌ منها على الاسرةِ اضطجعتْ. لا صحونَ ولا اكوابَ هنا، بل اغصانٌ من كالبتوسٍ، طريِّ الأوراقِ موضوعةٌ على الأسرّةِ إذا ما جاعتْ.

ايادي الكوالا واقدامُها المحروقةُ
في ردهةِ الحروقِ 
بمستشفى الناصرية
 مغطاةٌ بشبكة السفراتول 
والكريماتُ المُرطِّبة
موضوعةٌ على المناضد
والمغذي مغروزٌ في الاوردةِ
والمهدئات بأيدي الأطباءِ 
والسماعاتُ على صدر الكوالا 
تتابع وقع النبضْ
خشيةَ أن يبطئ او يتوقفْ
والشقراءُ 
كادتْ تبكي،
وهي تربتْ على فرو الكوالا 

السيدةُ التي سكنتْ عند حدودِ الغابةْ
تنشدُ الستر والهدوء
ربّتْ دجاجاتٍ وبطاً وببغاء 
حتى جلبت لها 
طائرةُ هليكوبتر 
مصابين من الكوالا
منهم أطفال غِرٌ
عاثوا بين الدجاجات،
شاكسوا الببغاء
ورغم الحروق اختصموا 
ليسَ الوقتُ وقتَ شجارٍ، قالت
"صيروا عقّال"
قال لها القادمون من الجوِّ: 
انتِ أقربُ الى الناصرية منّا
أنتِ محطّةْ
نستأمنُهم عندكِ
سنعود

تشفى كوالا من حروقها.
الشقراءُ
التي تركتْ دجاجاتِها والببغاءَ
لعينِ الله تراعاها
تعيدُ الكوالا الحزينَ 
بعد زوال الحرائقِ
وروائح الدخانِ
الى الغابةْ 
وقبل ان تتركهُ
تقبله عند الجبهةْ:
"اذهبْ حيثُ الحرية"
يتلفتُ الكوالا مندهشا ثم يغادر


برلين السابع عشر من تموز ٢٠٢١
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات