: آخر تحديث

هل عجزت الرّقة عن إدارة شؤونها؟

3
4
4

لا، الرّقة لم تعجز عن إدارة شؤونها، لكن ما تعانيه اليوم ليس عجزًا ذاتيًا، بل عجزًا مفروضًا عليها بفعل سياسات إقصاء وتهميش وضعف ثقة وتغييب ممنهج للكفاءات المحلية.

فالسؤال ظل يُتداول باعتباره حالة عابرة، بل يتردّد في صدور أهلها كجرحٍ مفتوح لم يندمل بعد. سؤالٌ موجع يتكرّر كلما صدر قرار إداري جديد، أو عُيِّن مسؤول من خارج المحافظة، أو أُقصيت كفاءة محلية دون تفسير مقنع: لماذا تُدار الرّقة بغير أبنائها؟ ولماذا يُستبعد أهلها عن مواقع القرار، بالرغم من حضور الشهادات والخبرات والطاقات؟

الرّقة مدينة أنهكتها الحروب والنزوح والتفريغ الممنهج للكفاءات وهجرة العقول والانقطاع الطويل عن الاستقرار. ومع ذلك، لم تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة، ولا توقّف أبناؤها عن التعليم، ولا انقطع شبابها عن الحلم. في بيوتها خريجون وأكاديميون ومهندسون ومدرّسون وإداريون وذوو خبرة في الشأن العام. غير أن كثيرين منهم يقفون اليوم على هامش مدينتهم، ينتظرون فرصة لا تأتي.

في شوارع الرّقة، ترى شبابًا يحملون شهاداتهم كما يحملون خيباتهم. يطرقون أبواب المؤسسات، فلا تُفتح. يتقدّمون بطلباتهم، فلا تُقرأ. ثم يرون المناصب تُمنح لآخرين جاؤوا من محافظات بعيدة، لا يعرفون تفاصيل المكان ولا تاريخه ولا حساسيته الاجتماعية ولا جراحه المفتوحة.

تعيين مسؤولين من خارج المحافظة ليس تفصيلًا إداريًا محايدًا، بل رسالة رمزية قاسية. رسالة توحي، من حيث لا يُراد أحيانًا، بأن أبناء الرّقة غير مؤهلين، أو غير موثوقين، أو غير جديرين بتحمّل المسؤولية. وهو انطباع يُراكم الإحباط ويكسر الثقة بين المجتمع المحلي والإدارة.

يزداد الأمر مرارة حين نلاحظ أن بقية المحافظات تُدار في الغالب بأبنائها، وأن أبناءها يحظون بفرص حقيقية في مؤسساتهم. أما في الرّقة، فالمشهد مختلف: حضور ضعيف في مواقع التأثير، وتمثيل محدود في مراكز القرار، وفرص شحيحة في الإدارة العليا.

فهل عجزت الرّقة فعلًا عن إدارة شؤونها؟

الواقع يقول عكس ذلك تمامًا. المشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في غياب الثقة بها. ليست في ضعف الإمكانات، بل في طريقة توظيفها. وليست في قصور الإنسان الرّقاوي، بل في منظومة اختيارات لا تضع الكفاءة في مقدمة معاييرها.

أحد الأسباب الجوهرية لهذا الإقصاء يتمثّل في المركزية الإدارية. فالسلطات المركزية تميل أحيانًا إلى تفضيل "الغريب" على "القريب"، لأن ابن المدينة يعرف تفاصيلها ويفهم نبضها، وقد يطالب ويعترض ويحرج ويُذكّر بالحقوق. أما القادم من الخارج، فيُنظر إليه بوصفه أقل ارتباطًا بالناس وأكثر قابلية للضبط.

ثم هناك عامل آخر لا يقل خطورة: تراجع معيار الكفاءة لصالح معايير أخرى، مثل الولاء أو العلاقات أو الشكل الخارجي أو الانتماءات الضيقة. في بعض الأحيان، يُقاس "الصلاح" بالمظهر، وتُختزل الأهلية في إشارات سطحية، بينما يُهمَّش أصحاب الخبرة والمعرفة.

ولا يمكن تجاهل أثر سنوات الحرب وما خلّفته من تشويه للثقة الجمعية. كثير من المؤسسات باتت تتعامل مع أبناء المناطق المتضرّرة بحذر مبالغ فيه، وكأنهم متّهمون حتى يثبت العكس. وهذا ظلم مضاعف: ظلم للحاضر وإهانة لتضحيات الماضي.

إلى جانب ذلك، يتحمّل جزء من المسؤولية صمت النخب المحلية وتشتتها، وانشغال بعض المثقفين والإعلاميين بمواقعهم الشخصية أو بحسابات السلامة على حساب الدفاع عن حق مدينتهم في التمثيل العادل. حين يغيب الصوت الجماعي، يسهل تجاوز المدينة وتهميشها وتجاهل مطالبها.

لكن السبب الأعمق والأكثر خطورة هو غياب رؤية إنسانية شاملة لإعادة البناء. فإعادة إعمار الرّقة لا تعني ترميم الأبنية فقط، ولا تعبيد الطرق، ولا افتتاح المكاتب. إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان، وبناء الثقة بين الإدارة والمجتمع، وإشراك أبناء المدينة في صناعة مستقبلها.

مدينة تُدار من الخارج دون مشاركة أهلها تبقى مدينة هشّة مهما كبرت مشاريعها. وإدارة لا تثق بأبناء المكان لا يمكن أن تصنع استقرارًا دائمًا.

إن ابن الرّقة، بطبعه الاجتماعي، مسالم متواضع قليل الضجيج. لا يفرض نفسه بالقوة، ولا يجيد لعبة العلاقات، ولا يرفع صوته في المكاتب. اعتاد الانتظار مؤمنًا بأن الحق سيصل. لكن طول الانتظار تحوّل إلى خيبة، والصبر إلى شعور بالغبن، والهدوء إلى إحساس بالعجز.

اليوم، لم يعد هذا الملف شأنًا نخبوياً، بل قضية مجتمع كامل. قضية كرامة وانتماء وعدالة. فحين يُقصى الإنسان من مدينته، يُدفع تدريجيًا إلى الاغتراب عنها، وإلى فقدان الحافز لخدمتها، وإلى البحث عن خلاص فردي بعيدًا عنها.

الرّقة لا تطلب امتيازات خاصة، ولا تبحث عن أوصياء، ولا تنازع أحدًا حقه. هي تطالب فقط بالعدل: أن تُمنح الفرصة لأبنائها، أن يُختبروا، أن يُحاسَبوا إذا أخطأوا، وأن يُنصفوا إذا نجحوا.

فالدولة القوية لا تخاف من أبنائها الأكفاء، بل تعتمد عليهم. والإدارة الرشيدة لا تُقصي أهل المكان، بل تجعلهم شركاء. والتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإقصاء، بل بالثقة.

السؤال اليوم لم يعد: لماذا يُقصى أبناء الرّقة؟ بل: إلى متى يمكن لمدينة أن تُهمّش أبناءها ثم تُطالَب بالنهوض؟

الرّقة تملك العقول، وتملك الإرادة، وتملك الذاكرة، وتملك القدرة على النهوض. ما ينقصها ليس الإنسان، بل الإنصاف.

والإنصاف يبدأ بقرار شجاع: إعادة الاعتبار لأبناء المدينة، وإشراكهم في إدارتها، واحترام كفاءتهم، وفتح الأبواب أمامهم دون وساطة أو تمييز.

حينها فقط، يمكن للرّقة أن تستعيد ثقتها بنفسها، وتنهض لا كمدينة مُدارة، بل كمدينة تُدير نفسها بأبنائها وضمائرهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.