"يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
حديث نبوي شريف، رواه البخاري ومسلم
يصل التردي الأخلاقي القيمي إلى حضيضه عندما يُخرج الدين الحنيف، مكرهًا، من مقام الهداية لتؤدَّى بوساطته وظيفة الحراسة السياسية، إذ تتحول العبادة إلى أداة ضبط، ويغدو المنبر جزءًا من جهاز تعبئة، وتصبح الكلمة التي يُفترض أن تطمئن القلوب أمرًا تنفيذيًا. ومثال ذلك ما ظهر عبر تعميم أو كتاب رسمي يحمل اسم وتوقيع وزير الأوقاف، افتتحه بآية من سورة "الأنفال"، التي استُخدمت من قبل الطاغية صدام حسين فيما سماها بالأنفال ضد أطفال ونساء وشيوخ الكرد الذين تم دفنهم أحياءً، متوجهًا من خلاله إلى أئمة الجوامع في سوريا كي يرفعوا الدعاء بالنصر ويكثروا التكبير فرحًا بقتال جارٍ ضد شعب آمن داخل البلد، مستدعيًا لغة الحرب إلى فضاء المساجد، وهو يطلب من المصلين أن يهتفوا للانتصار على قوم يشهدون الشهادتين. هذا الانتقال من النص إلى السلاح لا يمكن النظر إليه كحركة عابرة، إذ إن الآية تُنزع من سياقها وتُلصق بخصومة سياسية، فيصبح القرآن غطاءً لقرار سلطوي، ويصبح الدعاء إشارة اصطفاف لتوظيف الدين في أداة إبادة سياسية، لا كوثيقة عهد أمان وسلام.
ولا يمكن هنا أن يظهر الخلل، بل التحريف، إلا عندما يتم تبيان حقيقة أن الكرد في أكثريتهم مسلمون، يصلّون متوجهين إلى القبلة نفسها التي قد يتوجه إليها الوزير والأئمة والقتلة، ويصومون الشهر نفسه الذي قد يصومونه، ويُشيّعون موتاهم بالطريقة نفسها المفروضة عليهم، فلا انفصال في العقيدة ولا خروج من "الملة" لولا كارثية "العلة" في نفوس المنادين بإبادة الكرد. إذ إن تحويلهم إلى عدو ديني لا يستند إلى أصل شرعي، إنما إلى رغبة سلطة تختلق عدوًا سياسيًا داخليًا واضحًا كي تجمع حولها الصفوف. من هنا يُصدر أو يُنتج خطاب تكفيري واضح، ويُسوَّغ الدعاء عليهم كما لو كانوا غرباء عن الدين، ويُعامل المسلم من خلال انتمائه القومي لا من خلال دينه، فتسقط قاعدة الأخوة ويُستبدل بها معيار الولاء السياسي. إن فعلًا كهذا يهدم الأساس الذي تأسس عليه التاريخ الإسلامي، لأن حرمة الدم لا تُعد هامشًا يمكن تجاوزه، بل هي عقد أمان يحفظ الجماعة من الانهيار.
يتعمق التناقض أكثر حين يُنظر إلى وظيفة المنبر في تاريخ المسلمين، إذ كان مكان تذكير وعدل وإصلاح ذات البين، لا منصة تعبئة ضد أهل البيت الواحد. وبديهي أن المنبر حين يُوظف في معركة داخلية بين أبناء دين واحد أو بلد واحد يفقد مكانته في النفوس، لأن المصلين يرونه منحازًا إلى سلطة الحاكم لا إلى سلطة الحق، ويسمعون التكبير يتحول إلى نشيد حرب ببغائي. عبارة "التكبير بالنصر على الكرد" لا تُفهم دعاءً عاديًا، إذ تحمل معنى الاحتفال بنحر مسلم، وتحمل إيحاء الإقصاء والإلغاء، بل الإبادة، فتخرج من باب العبادة وتدخل باب التحريض المباشر. عند هذه النقطة ينكشف الوجه السياسي للخطاب كاملًا، لأن الدين يُستعمل لخلق خصم داخلي يسهل ضربه، بينما القضايا الكبرى للأمة، إذا ما جرى اعتمادها أو اعتبارها، تبقى مجرد أداة تطعن رسالة الإسلام في الصميم.
يظهر السؤال المؤلم من تلقائه، وهو كيف يُطلب من المآذن أن تكبّر "للانتصار" على أحياء أو قرى أو مدن كردية، وقتل أفراد أسر كاملة، والتمثيل بأجساد بعضهم، بينما القدس محتلة، وكيف يُستدعى النص القرآني لتحشيد الناس ضد مسلم يقيم في بيته، ولا يُستدعى بالحدة نفسها حين تُدنَّس أولى القبلتين. إذ إن ميزان الأولويات يكشف المقصد، حيث السيف يتجه إلى الداخل، والصمت يلف الخارج، وكأن السلطة تجد في الاقتتال الأهلي طريقًا أسهل من مواجهة احتلال واضح. على هذا النحو ينفصل الواجب عن إطاره، وتُصرف الطاقات المفترضة إلى نزاعات جانبية، بما يجهز حتى على مفهوم الجهاد المزعوم، ويحل مكانه صراع داخلي مغطى بلغة دينية في خدمة ما هو سياسي.
إن تاريخ الكرد مع الإسلام يفضح هذا الادعاء من جذوره، حيث شاركوا في الدفاع عن دياره منذ قرون، وتقدموا في جيوش دول متعاقبة، وبرزت أسماء ارتبطت بالعدل والقتال دفاعًا عن الأرض، ولكم استشهد منهم رجال عظماء غدرًا حين انتهى دورهم في حسابات السلطة، بالرغم من أن لهم سلسلة من الأبطال الأعيان، منذ الصحابي الجليل جابان الكردي، ومرورًا برجال شاركوا في تحولات الدولة العباسية، حتى مأساة أبي مسلم الخراساني الذي أُزيح بعد أن أدّى مهمته، وليس انتهاءً بصلاح الدين ومن معه من جيش فاتح عرفته بوابات القلاع والحصون والثغور، وباتت تتوزع أنسابهم خرائط وقوميات أخرى ضمن سيرة طويلة تثبت أنهم طالما كانوا في قلب المعركة دفاعًا عن الإسلام لا خارجه. لذلك فإن مسرحة الدعاء على أحفاد هؤلاء من فوق المنابر تبدو انقلابًا أخلاقيًا كاملًا، لأن من حمل السيف دفاعًا عن القدس يُصوَّر اليوم عدوًا للدين.
إذ يظهر وجه آخر للمسألة، حيث لم يعد التحريض محصورًا في ورق الكتاب الرسمي، بل صار يُوزَّع عبر المنصات الحديثة من خلال تسجيلات وخطب ومقاطع مسمومة نتنة كريهة، لرجال يلبسون هيئة الوعاظ يدعون إلى سحق الكرد، ويستعملون لغة دينية لتسويغ هدر الدم. هذا السلوك لا يمكن فصله عن الفعل المسلح، لأن من يهيئ القاتل نفسيًا شريك له حكمًا، ومن يبارك الرصاصة يتحمل وزرها كاملًا. لقد دخلت المنابر والجوامع الدائرة نفسها، فتحولت الخطبة إلى "أداة تعبوية"، وتحول الدعاء إلى تحريض نتن، وصارت العمامة غطاءً للسلطة. كل هذا نتاج وصنيع نفاق وعاظ السلطان، حيث الكلمة تُفصَّل على قياس الحاكم، والموقف يتبدل تبعًا لمصلحة الكرسي، ومنهم من كان حتى الأمس يمدح بشار الأسد وأباه من قبله، مسوغًا القصف والتدمير والسجون، ثم بات يخرج اليوم ليتحدث باسم الدين ذاته. هذا الانقلاب على الذات لا يصدر عن ضمير ديني، إنما عن منفعة صريحة، ومن هنا يظهر وصف النفاق سلوكًا لا شتمًا.
يتضح من كل ذلك أن المشكلة ليست زلة فقهية ولا سوء تقدير عابر، إنما استعمال متعمد للدين في صراع سياسي، حيث يُعاد تشكيل الخطاب ليخدم السلطة، ويُستدعى النص لتجميل قرار سابق. هذا المسلك يكرر نهجًا قديمًا عرفته الذاكرة العقدية، نهجًا يجعل الإيمان خاضعًا لموقف سياسي، ويتخذ السيف حكمًا على العقيدة. ومن المعروف أنه عندما تتكرر هذه الصفات فإن الوصف يترسخ ويتكرس تشخيصًا، ليكون من نتائجه التكفير، واستباحة الدم، ورفع شعار الدين ضد أهل القبلة، وهذه كلها سمات مسلك الخوارج، حيث يسبق الغضب العدل.
ثمة صوت آخر يبقى في المقابل، إنه صوت مدوٍّ يتصادى من داخل كردستان، صوت أئمة وعلماء رفضوا جرّ الدين إلى هذا المنحدر المستنقعي، وتمسكوا بحرمة الدم، ودعوا إلى إصلاح وعدل وصون حياة الإنسان أيًّا كان اسمه. هذا الصوت يعيد للمسجد مكانته، ويعيد للدين صفاءه، لأن العبادة حين تنفصل عن السلطة تستعيد معناها الحقيقي، ولأن العدالة وحدها تحفظ المجتمع، إذ لا يُبنى وطن بدعاء على جزء منه، ولا يُصان دين بتكبير فوق جراح مسلم. هكذا يظهر الميزان واضحًا، حيث الكلمة إما أن تكون رحمة، وإما أن تكون أداة قتل، ولا منزلة ثالثة بينهما.
ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن الخطاب الديني العقلاني الأصيل لم يقبل أن يظل أسير التوظيف السياسي الرسمي كما أراده بعض تجار الدين، إذ ظهر صوت أكثر دويًا ورسمية ووزنًا وثقلًا إسلاميًا من داخل مؤسسات العلم الشرعي يرفض هذا الانحدار، حيث شدد الشيخ علي القره داغي، رئيس اتحاد العلماء، على حرمة الدم ورفض استهداف الكرد، وعدّ الاقتتال الداخلي فتنة لا تُسوَّغ بفتوى، غير أن موقفه جرّ عليه هجومًا حادًا من منابر قومية متشددة ومن أشخاص يقدمون أنفسهم علماء من أوساط عربية وتركية، إذ صوّروا دعوته إلى التهدئة خروجًا عما هو مرسوم لعالم الدين، وراحوا يتشدقون ويتذرعون بخطاب تعبوي يدفع نحو الصدام، طالما أن الفتوى في عرف هؤلاء المنافقين تُفصَّل وفق هوية المتكلم لا وفق ميزان الشرع الديني، لا وفق إرادة الشرع الدنيوي العابر، فانقسم المشهد بين من يحفظ الدم وبين من يحرّض عليه.

