: آخر تحديث

الديمقراطية تصحح اخطائها 

9
10
7
مواضيع ذات صلة

هناك مثل يقول: الديمقراطية مثل معدن الذهب الأصيل، كلما تم حَكُّه لمع بريقه. هكذا تعلمنا تجارب الدول الديمقراطية، فهذه "الآلة الساحرة"، على الرغم من بعض نقاط ضعفها، تبقى قادرة في كل مرة، على تصحيح أخطائها بنفسها، وهذا من أهم أسرارها واستمرارها منذ أقرها الفلاسفة اليونانيون قبل أكثر من 2500 سنة. كان رئيس الوزراء البريطاني السابق "ونستون تشرشل" يقول: إن الديمقراطية هي أسوأ نظام حكم اخترعه الإنسان، قبل أن يستطرد بقوله: لكنه يبقى الأفضل حتى الآن. 

في بريطانيا مجلس استشاري غير حكومي، يشبه الى حد ما مجلس الحكماء في العرف العربي. يتكون هذا المجلس من شخصيات سياسية مرموقة ومحايدة، تقلدت عدة مناصب رسمية لفترة طويلة أكسبتها الخبرة السياسية والحكمة والحنكة وبعد النظر. مهمة هذا المجلس تقويم الوضع السياسي العام في بريطانيا بين فترة وأخرى، وإبداء المشورة للأحزاب السياسية البريطانية، والعمل على توجيه الرأي العام لدعم الإصلاحات السياسية المطلوبة في وقتها وزمانها.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وبعد ان بقي حزب المحافظين بزعامة "مارجريت تاتشر" و "جون ميجور" في سدة الحكم لمدة 17 سنة متتالية من العام 1979م الى 1996م، أي اربع دورات انتخابية متتالية. عد المجلس الاستشاري سيطرة حزب المحافظين على السلطة لهذه الفترة الطويلة ظاهرة سياسية غير صحية، وتناقض الهدف من الديمقراطية القائمة على مبدأ تداول السلطة بين الأحزاب السياسية، بل عد بقاء المعارضة خارج السلطة هذه الفترة الطويلة بمثابة الغاء لها وكأنها غير موجودة، وطالب علانية بالعمل على توجيه الرأي العام من اجل كسر ظاهرة احتكار أي حزب للحكم لفترة طويلة، يصاب خلالها الحزب بالترهل السياسي، وينتشر فيه بعض مظاهر الفساد المالي والإداري.

المجلس الاستشاري نصح علانية قادة حزب المحافظين بإقصاء "مارجريت تاتشر" من زعامة الحزب لأنها أصبحت عبئا ثقيلا عليه نتيجة مواقفها المتصلبة من الاتحاد الأوروبي، وإصابتها بالغرور الشخصي وتعاليها على وزراءها. وقد اخذ الحزب بهذه النصيحة واقصاها من الزعامة عام 1990م. كما نصح المجلس حزب العمال المعارض آنذاك بتجديد زعامته ودعمها بعناصر شابة مؤهلة، تستطيع تقديم برامج سياسية واقتصادية واجتماعية  تجذب اليها الناخب البريطاني، وقد عمل الحزب بهذه النصيحة واستطاع كسب الانتخابات في العام 1997م بزعامة "توني بلير".

لا ينبغي أن يراودنا ادنى شك في أن الديمقراطية تصحح أخطاءها بنفسها، وإذا كانت فعلت ذلك في إيصال "دونالد ترامب" رجل الأعمال إلى سدة الرئاسة الأمريكية رغم افتقاره وجهله بعلوم وأمور السياسة، وذلك فقط لمقدرته المالية في تمويل حملاته الانتخابية وتحالفه مع اليمين الأميركي المحافظ، وعلاقة أعضاء حملته الانتخابية المزعومة بالاستخبارات الروسية. الديمقراطية نفسها، هذه الآلة الساحرة، التي اوصلته الى سدة الحكم في غفلة من التاريخ في العشرين من يناير 2017م، هي نفسها الآلة التي اقتلعته بعد أربع سنوات عجاف في تاريخ أمريكا. 

ستبقى هذه السنوات الأربع العجاف لفترة طويلة عالقة في ذاكرة الشعب الأمريكي، كما ستبقى حادثة اقتحام مبنى الكونجرس من قبل الغوغاء من أنصاره راسخة كذلك في ذاكرة الشعب الأمريكي "كنقطة سوداء" في تاريخ أمريكا لفترة طويلة.


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي