: آخر تحديث

غاب عبدالعزيز المنصور ولم يغب أثره

6
8
4

خالد بن حمد المالك

ربطتني بالزميل عبدالعزيز المنصور -رحمه الله- زمالة طويلة، فقد استقطبته من مجلة اليمامة للعمل محرراً في صحيفة «الجزيرة» في فترتي الأولى من رئاسة تحريرها، وتحديداً بعد تحول الصحيفة من أسبوعية إلى يومية بفترة لم تكن طويلة.

* * *

وحين غادرت صحيفة «الجزيرة»، وتولى رئاسة تحريرها الزميل محمد بن عباس، آثر عبدالعزيز المنصور أن يترك الصحيفة ضمن كوكبة من الزملاء وبينهم عثمان العمير وعبدالرحمن الراشد وآخرون كثر من أبرز من كانوا ضمن جهاز تحرير الصحيفة محررين وكتابا

* * *

ترك محمد بن عباس العمل بالصحيفة، وتولى رئاسة تحريرها الزميل محمد أبا حسين -رحمه الله-، فأعاد عبدالعزيز المنصور إلى «الجزيرة» ليعمل إلى جانبه نائباً لرئيس التحرير، وبذلك فقد عاد المنصور إلى بيته وعشقه، متخلياً عن عمله بأسبار.

* * *

وعدت أنا إلى «الجزيرة» رئيساً لتحريرها للمرة الثانية، وكان وقتها قد انتهت رئاسة أبا حسين لصحيفة «الجزيرة»، ليقوم المنصور بعمل رئاسة التحرير بالتكليف بحكم أنه كان آنذاك نائباً لرئيس التحرير، وسط أجواء مشحونة بالخلافات.

* * *

ومع عودتي، كان المنصور في تونس ضمن الوفد الإعلامي المرافق لولي العهد، ومن هناك اتصل بي مهنئاً، ومعبراً عن سعادته بعودتي، وكانت «الجزيرة» تمر بأطوار من الخلافات إدارياً وتحريرياً، كما وجدتها حين مباشرتي للعمل.

* * *

واليوم ونحن نودع أخاً وزميلاً وصديقاً لا يمكن أن تمر وفاته دون ذكر محاسنه - وما أكثرها - تقديراً ومحبة لسنوات من أعمارنا، قضينا معاً شطراً منها في خدمة وطننا، وفي خدمة الصحافة في بلادنا، ضمن قدرات ومواهب وشغف كل منا بالعمل الصحفي منذ بواكير شبابنا، ومع آخرين من الصحفيين النابهين.

* * *

لدى عبدالعزيز المنصور حس صحفي عالي المستوى، لا يدركه إلا من التصق بالعمل مع الزميل الراحل، فهو يُحسن تقدير مستوى المادة الصحفية، ويقيّمها، بحيادية كاملة، الهدف أن تظهر للقارئ بما تستحقه من اهتمام، وعناية بالإخراج، بحسب أهميتها، وفقاً لتقديراته التي نادراً ما تخطئ.

* * *

ولديه مثالية عالية أيضاً في التعامل مع النص، فلا يقبل أن يؤثر حماس الكاتب وخلافه مع الآخر على الموضوعية في إبداء وجهة نظره، فتراه يُعدّل في بعض الكلمات، ويحذف ما يراه غير مناسب، دون أن يشوه ترابط المقال، ضمن عمله وسعيه على احترام القارئ.

* * *

ومع أن المرحوم مقل في الكتابة، إلا أن وقته كان يمضيه في قراءة نصوص الآخرين، بعناية فائقة، فيكتب العنوان لهم إن لم يستمرئ عناوين بعض الكتاب، ويصحح مقالات الرأي لبعضهم لغوياً قبل أن تصل إلى الزملاء في التصحيح، فهو صحفي يتميز بالشغف في التعامل مع العمل الصحفي، والحرص على تجويده.

* * *

من بين أبرز الصفحات التي كان يعدّها، أو يشرف على مراجعتها، كانت صفحة (عزيزتي الجزيرة) التي امتد نشرها لعقود قبل أن تتوقف، وكانت ساحة للنقاش، وميداناً للرأي والرأي الآخر، بين القراء والقراء، وبين المواطنين والمسؤولين، وقد امتد نجاحها إلى الحد الذي كانت تنافس الصفحات الرياضية في المتابعة، بل إن عدداً من الصحف المحلية حاولت محاكاتها.

* * *

وعندما بلغ الزميل عبدالعزيز سن التقاعد تم تمديد خدمته ثلاث سنوات، ثم ثلاث سنوات أخرى، للاستفادة من خبرته وقدراته الصحفية إلى أن آثر عدم التمديد لفترة ثالثة فاستجبت لطلبه، فحافظ المرحوم على العلاقة مع صحيفة «الجزيرة»، والوفاء لها.

* * *

على المستوى الشخصي، صادف في إحدى زياراتي مع زوجتي الدكتورة أم بشار، فترة ابتعاثه إلى أمريكا للدراسة الجامعية ومعه زوجته أم غسان، وحين علم بذلك مع أننا في ولايتين بعيدتين عن بعضهما، أصر على أن نزورهم، وتم ذلك، فأحسن وفادتنا، وأكرمنا وزوجته، وكنا معاً حديثي زواج، ولا زالت تلك الزيارة في ذاكرتي، وموضع تقديري واحترامي وزوجتي للزميل العزيز وزوجته.

* * *

لقد رأيته متعباً حين حضوري منذ نحو عامين مناسبة زواج أحد أبنائه، فحزنت لوضعه الصحي، وإذا به نهاية الأسبوعي الماضي يودع الحياة، لكن لحسن حظه أنه يغادر الدنيا وقد ترك أثراً يُحترم فيه عبدالعزيز المنصور، وأن أي كلام نكتبه عنه لن يفي الزميل حقه، ولن ينصفه، فلعل التفاصيل تكون في كتاب يتبناه أبناؤه، يسجلون فيه إرثه الخالد، وتجربته الصحفية المهنية المتقدمة ضمن تواجده بين الصحفيين الناجحين في جيله.

* * *

رحم الله زميلنا العزيز عبدالعزيز، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وجعل مستقره في جنات النعيم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد