تتزايد الشكوك في ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلاً إخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لشروط تبدو مطاطية وزئبقية. إعادة صوغ الشراكة مع الدول الخليجية العربية والإصرار على إدخال إسرائيل في الترتيبات الإقليمية، مساران يلتقيان في الانطباع بأن الهدف هو مواجهة النفوذ الإيراني. إنما الغامض والمريب في التصور الأميركي هو مفهوم أمن الحلفاء في الخليج. إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتبر إضعاف إيران إنجازاً، وترى، عملياً، أن على الدول الخليجية العربية نفسها أن تتحمل الانتقام الإيراني من هذا الإنجاز. ظاهرياً تبدو إدارة ترامب تتخبط تكراراً في الأخطاء التكتيكية. باطنياً، تفيد ملامح الاستراتيجية الأميركية البعيدة المدى بأن "المؤسسة" تقوم بإعادة إنتاج الشراكة مع النظام في طهران. في مقال لي بعنوان "المبارزة المرعبة بين المقنّعين الأميركي والإيراني في العد التنازلي إلى الحسم" في يوليو/تموز الماضي، أشرت إلى سيناريوات استراتيجية لافتة. يومذاك، كان الحديث عن انتقال في التفكير من إدارة المواجهة مع إيران إلى تفكيك البيئة العربية التي سمحت للحرس الثوري الايراني بتحويل أذرعه إلى منظومة إقليمية. إستعادة القرار في بغداد، وإغلاق الممر الإيراني في سوريا، وحصرية السلاح في لبنان كانت عناصر مشروع يتجاوز نتائج الضربة العسكرية.حينذاك، كان الاختبار في العراق وسوريا ولبنان، وفي قدرة صُنّاع القرار، ومنهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على جمع السياسات المتفرقة في استراتيجية متماسكة. بعد نحو ثلاثة أشهر، يصبح السؤال عن مصير تلك الفكرة: هل جُمّدت، أم عُدّلت، أم أن ما بدا بداية استراتيجية لم يتحول أصلاً إلى سياسة متكاملة؟ السؤال اليوم عن موقع هذا المشروع في الاستراتيجية الأميركية الفعلية.الولايات المتحدة أضعفت القدرات العسكرية والاقتصادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة جدية، لكنها لم تحسم بعد كيف يتحول هذا الإضعاف إلى ترتيب إقليمي يحمي حلفاءها ويمنع الحرس الثوري من إعادة إنتاج نفوذه الإقليمي؟هذه هي المعضلة التي تتجاوز مزاجية دونالد ترامب وتردده، وتتجاوز أيضاً تفسير المواجهة كلها باعتبارها تمهيداً لصفقة. الضربات ليست مسرحاً، والخسائر الإيرانية ليست وهماً. لكن التفوق العسكري الأميركي لم ينتج بعد معادلة مستقرة تمنع طهران من نقل كلفة المواجهة إلى الدول العربية.المشهد اليوم لا يحتاج إلى اختراع "دولة عميقة" تقف خلف كل تناقض. يحتاج إلى مساءلة الرئيس وأركان "المؤسسة" عن الفجوة بين ما يريدونه من إيران وما يلتزمونه إزاء حلفائهم. الأدوات العسكرية والاقتصادية متوافرة وتُستخدم بجدية. الغائب هو وضوح الغاية السياسية الجامعة: هل المقصود تعديل سلوك النظام، أم تقليص نفوذه، أم التوصل إلى تفاهم نووي يسمح لواشنطن بإعلان الانتصار وعقد صفقة استراتيجية مع رجال النظام في طهران وترك بقية المنطقة تتدبر أمرها؟الضربات الأميركية أحدثت تدهوراً جدياً في القدرات الإيرانية، والحصار والعقوبات يضغطان على قدرة النظام على التمويل والتعويض. إجراءات الخزانة الأخيرة ضد الشبكات المالية المرتبطة بطهران تؤكد أن الخنق الاقتصادي سياسة قائمة. لذلك، فإن تصوير إدارة ترامب كأنها لم تفعل شيئاً لخنق إيران وتدجينها يجافي الواقع. المساءلة ليست عن غياب الفعل، بل عن العلاقة بين الفعل العسكري ونتيجته النهائية، سواء كان هدفه الترويض أو الردع أو إعادة خلط الأوراق. الردع لا يقاس بحجم الخسائر وحده. قد تخسر إيران جزءاً مهماً من قدرتها العسكرية، وتحتفظ بما يكفي لإيذاء الجوار وتعطيل الملاحة ورفع كلفة القرار الأميركي. عندها يصبح الاستنزاف متبادلاً وإن لم يكن متساوياً: إيران تستنزف عسكرياً واقتصادياً، ودول الخليج تُستنزف أمنياً وتنموياً، فيما واشنطن تستفيد من "أعباء" عسكرية وتسليحية تخدم أحد أهم أركان المؤسسة/الدولة العميقة أي منظومة "المجمع الصناعي العسكري".في مثل هذه المعادلة، تمنح الهجمات الحوثية على السعودية الانتقام الإيراني وظيفة تتجاوز اليمن. ضرب المطارات والمنشآت لا يستهدف مباني فحسب، إنه يرفع كلفة الاستثمار والتأمين والتنقل، ويختبر الثقة بالمستقبل الاقتصادي. هنا يتجاوز الانتقام الإيراني الميدان العسكري إلى محاولة تعطيل قدرة الدول على ممارسة سيادتها وبناء ازدهارها.الوزير روبيو قال إن السعودية تتعرض للاعتداء، ومن حقها الدفاع عن نفسها، والولايات المتحدة تعتزم الوفاء بالتزاماتها الأمنية حيالها. هذا كلام واضح، لكنه يحتاج إلى ترجمة تقنع المعتدي قبل أن تطمئن الحليف. الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي وتعزيز الدفاعات أدوات مهمة. قيمتها تُقاس بقدرتها على إحباط الهجمات وتغيير حسابات أصحابها، لا بحجم الإعلانات عنها. الرئيس ترامب أوضح أن واشنطن تريد تمكين السعودية والتحالف والحكومة اليمنية من صد الحوثيين، من دون دخول أميركي مباشر يوسّع الحرب الآن. باب المندب حاضر بقوة لأنه يصل أمن المنطقة بالنفط والتجارة والناخب الأميركي. الخطر أن يصبح أمن الحلفاء أولوية فقط حين تتأذى الملاحة والأسعار. إنما سيادة السعودية ليست ملحقاً بسعر الوقود الأميركي، ومطاراتها ليست بنداً قابلاً للتأجيل إلى ما بعد الانتخابات.
هل الإستراتيجية الأميركية هي حقاً إخضاع إيران أم إعادة إنتاج الشراكة معها؟
مواضيع ذات صلة

