: آخر تحديث

استقلال أسكوتلندا... بيرنهام يغيّر قواعد اللعبة

3
5
1

إن لم تكن بين المدعوين، فالتطفل على حفلة الآخرين فن خاص: أن تهيمن على القاعة وأنت فعلياً خارجها.

في اليوم الثاني للمؤتمر السنوي للحزب القومي الاسكوتلندي، والحوار محتدم حول الاستقلال، خطف آندى بيرنهام الأضواء وكاميرات وميكروفونات المراسلين بوصوله إلى اسكوتلندا، ناقلاً الحوار من الاستقلال إلى مركزية السلطة، ونقل المزيد منها إلى المجالس والسلطات المحلية الاسكوتلندية.

كان جون سويني، زعيم الحزب القومي ورئيس الحكومة الاسكوتلندية، قال إن بيرنهام قد يكون آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة إذا تحقق الاستقلال... اللقب، رفضه بيرنهام ساخراً في مؤتمره الصحافي في دائرة عمالية اسكوتلندية.

تجاهل بيرنهام طريق وستمنستر المألوف دفاعاً عن وحدة المملكة مقترحاً توزيع مزيد من السلطة، بدل المركزية.

قال إن لندن بدأت، بمبادرته، نقل سلطات إلى البلديات المحلية الإنجليزية، ونصح حكومة اسكوتلندا بانتهاج السياسة نفسها، مضيفاً أن البرلمان الاسكوتلندي من أكثر المؤسسات مركزية في أوروبا.

ووجّه السؤال مباشرة إلى رئيس حكومة اسكوتلندا: هل يريد، مثله، نقل مزيد من الصلاحيات والاستثمارات وفرص إنشاء المصانع إلى المناطق المحلية؟

فإذا قبل الحزب القومي الاسكوتلندي الاقتراح، يمكن لبيرنهام الادعاء بأن حكومته العمالية دفعت بمزيد من تقوية السلطات المحلية الاسكوتلندية. وإذا رفضه فسيسائل الناخب الاسكوتلندي حكومته لماذا تطالب بنقل مزيد من السلطة من وستمنستر إلى أدنبره، وترفض نقلها من أدنبره إلى الأقاليم الاسكوتلندية.

واستمر بيرنهام في إغراء ناخبي اسكوتلندا بخدمات التوظيف، ورَبَطها بالنقل والسكن والتدريب والمهارات المحلية. كما تحدث عن موانئ بحر الشمال وإعادة التصنيع في مجتمعات فقدت صناعاتها القديمة كاستخراج الغاز والبترول.

كرر شعار «أسماء لا أرقاماً» بالتعامل مع الفرد واحتياجاته المحلية لا مجرد رقم في نظام مركزي. وكرر ذكر سياساته بوصفه عمدة مانشستر: أن تملك المنطقة ما يكفي من أدوات النقل والسكن والتدريب والاستثمار، حتى تستطيع صنع مستقبلها الاقتصادي بنفسها. وجاء بمثال له وقع إيجابي لدى الناخب الاسكوتلندي.

فالأوتوبيسات التي تعمل في مانشستر الكبرى صنعتها شركة «ألكسندر دينيس» في بلدة فالكريك الاسكوتلندية. وشرح كيف فضّل عقوداً مع مصانع بريطانية حتى لو كلفت أكثر، لأن العائد أفضل في خلق وظائف ونشاط اقتصادي داخل البلاد؛ فقد ربط الحديث عن تفويض السلطة بإعادة التصنيع، ومعه خلق الوظائف والرواج الاقتصادي. بيرنهام يروج للاتحاد البريطاني؛ لا بالأعلام والخطب الدستورية، بل بالمصانع والوظائف والاستثمار. وقد يكون هذا أخطر على القوميين الاسكوتلنديين من محاضرة أخرى عن مزايا البقاء داخل المملكة المتحدة.

لكن حجته سلاح ذو حدين. إذا كان بيرنهام صادقاً في أن القرارات يجب أن تتخذ أقرب إلى الناس، يستطيع الحزب القومي أن يقلب الآية ويسأله: لماذا لا يمتد هذا المبدأ إلى قرار اسكوتلندا نفسها بشأن الاستقلال؟ لم يجب بيرنهام مباشرة عن السؤال؛ بل ترك الباب مفتوحاً.

وربما يكون رهانه أن يجعل الاتحاد أكثر شعبية قبل أن يعود السؤال من جديد: تفويض أوسع، واستثمارات أكثر، وعلاقة أقل عداءً بين لندن وأدنبره.

لكن الرهان يعتمد أيضاً على بقاء حزب «العمال» في الحكم، وفوزه بالانتخابات العامة المقبلة، وقدرته على تنفيذ ما يعد به. وهناك سلاح آخر يحاول بيرنهام انتزاعه من يد القوميين: أوروبا؛ فاسكوتلندا صوتت بأغلبية كبيرة للبقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء 2016، واستخدم القوميون «بريكست» لسنوات حجةً بأن اسكوتلندا أُخرجت من أوروبا ضد إرادتها. لكن بيرنهام نفسه بدأ يفتح باب علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي.

النائبة العمالية إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في وستمنستر، ومن المناهضين لـ«بريكست»، قالت إن العودة إلى الاتحاد الأوروبي يمكن أن توضع مستقبلاً في برنامج انتخابي لحزب «العمال»، من دون الحاجة إلى استفتاء آخر. وهنا يظهر سؤال غير مريح للقوميين الاسكوتلنديين:

إذا بدأت بريطانيا نفسها تتحرك من جديد نحو أوروبا؛ فهل تحتاج اسكوتلندا فعلاً إلى مغادرة بريطانيا حتى تقترب من أوروبا؟

هكذا يجد الحزب القومي أن بيرنهام يشد من تحته أكثر من بساط سياسي في الوقت نفسه: مركزية وستمنستر، والشكوى الاقتصادية، و«بريكست».

لكن السيف ذو حدين.

فإذا نجح بيرنهام فعلاً في جعل التفويض يعمل بصورة أفضل، وجعل الاتحاد أكثر مرونة وجاذبية، فقد يعود القوميون ليسألوه السؤال نفسه بصورة أقوى:

إذا كنت تثق بالأسكوتلنديين في مزيد من السلطات، فلماذا لا تثق بهم يوماً في أن يصوتوا مرة أخرى على مستقبلهم؟ بيرنهام يحاول إنقاذ الاتحاد بأن يجعله أقل مركزية وأكثر مرونة. وإذا نجح أكثر مما يتوقع، فقد يضطر في النهاية إلى اختبار ثقته هذه أمام صناديق الاقتراع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد