: آخر تحديث

الواقعية السياسية

3
4
4

في السياسة، لا تكفي النوايا الحسنة، ولا تصنع الشعارات وحدها مواقف الدول. السياسة في جوهرها قراءة دقيقة للواقع، وفهم عميق لموازين القوى، وقدرة على اتخاذ القرار الذي يحمي المصالح ويصون المكتسبات. ومن هذا المنطلق يمكن فهم السياسة السعودية التي قامت خلال العقود الماضية على الواقعية والهدوء وحساب النتائج.

المملكة لا تتعامل مع الملفات الإقليمية والدولية بمنطق ردود الفعل، بل بمنطق الدولة التي تعرف حجمها وموقعها ومسؤولياتها. لذلك قد يبدو الموقف السعودي أحياناً هادئاً أو بطيئاً في نظر البعض، لكنه في كثير من الأحيان يكون نتاج دراسة متأنية لما يمكن أن يترتب على أي قرار من نتائج سياسية وأمنية واقتصادية.

هذه الواقعية لا تعني غياب المبادئ، بل تعني القدرة على حماية المبادئ دون تحويلها إلى عبء على الدولة. فالمملكة حافظت على ثوابت واضحة في قضاياها الكبرى، وفي مقدمتها أمنها الوطني ومكانتها العربية والإسلامية ، وفي الوقت نفسه أبقت أبواب الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف، لأن السياسة لا تقوم على الخصومة الدائمة، وإنما على إدارة المصالح والخلافات.

وفي محيط إقليمي شديد التعقيد، كان من الطبيعي أن تتقدم الواقعية على الانفعال. فالسعودية تدرك أن المنطقة لا تحتمل مغامرات غير محسوبة، وأن الاستقرار ليس شعاراً سياسياً، بل شرط أساسي للتنمية والاستثمار وبناء المستقبل.

ولعل التحول الذي تشهده المملكة اليوم يعكس هذه الواقعية بصورة أكثر وضوحاً. فالقوة السعودية لم تعد تُقاس فقط بما تملكه من موارد ومكانة سياسية، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ اقتصادي وتنموي ودبلوماسي متوازن. ولهذا أصبحت السياسة الخارجية جزءاً من مشروع وطني أوسع، هدفه تعزيز مكانة المملكة وحماية مصالحها وفتح مساحات جديدة للتعاون.

واللافت في التجربة السعودية أن الواقعية لا تعني التراجع عن المواقف، كما أنها لا تعني القطيعة مع الآخرين. إنها ببساطة التفرقة بين الرفض والقبول، ومتى تنتظر، ومتى تتحرك، والأهم أن تعرف أهدافها وتصل اليها.

هذه هي السياسة التي تحتاجها الدول في عالم سريع التغير؛ سياسة لا تنجرف وراء الضجيج، ولا تتخذ قراراتها تحت ضغط اللحظة، وإنما تنظر إلى ما بعد الحدث، وإلى ما يخدم الدولة وشعبها ومصالحها على المدى البعيد.

ولذلك تبدو الواقعية السعودية اليوم أكثر من مجرد أسلوب في إدارة العلاقات الخارجية؛ إنها جزء من فلسفة الدولة في التعامل مع عالم متغير، قوامها الثبات في المبادئ، والمرونة في الأدوات، والوضوح في المصالح.

فالسياسة السعودية لا تبحث عن انتصار مؤقت في سجال عابر، بقدر ما تبحث عن موقع ثابت في معادلة دولية تتغير باستمرار. وهذه، في النهاية، هي واقعية الدول التي تعرف ماذا تريد، وتعرف أيضاً أن الوصول إليه يحتاج إلى صبر وهدوء وحساب دقيق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد