: آخر تحديث

سيد التأخير

5
6
5

منذ سنوات ومشاكل التربية في تراكم، سواء ما تعلّق بمخرجاتها، أو بتردي خدمات الوزارة، وعجر مبانيها عن استيعاب المتطلبات، بخلاف نوعية وحالة جهاز الوزارة الإداري المتورّم، والأخطر الحاجة الملحة إلى تطوير المناهج، وجعلها متماشية مع متطلبات العصر، بحيث يصل الطالب إلى المستوى الجامعي، وهو مؤهل لتلك المرحلة، وليس عبئاً عليها.

امتلك السيد الوزير الوقت الكافي منذ إبريل الماضي، للانتهاء من تجهيز المدارس بكل احتياجاتها، وطباعة الكتب، وتوزيع وتحديد القدرة الاستيعابية للفصل، ومع هذا نجد أن طلاب عشرات المدارس، خاصة في القطاع الخاص، وحتى ساعة كتابة هذا المقال، لم يستلموا كتاب اللغة العربية، وهي مادة أساسية، كما نجد مدارس كثيرة تفتقد عقود الصيانة والتنظيف، والفصل الواحد مزدحم بـ50 أو 60 طالباً، فأين إذاً التخطيط والتجهيز؟

كما قامت الوزارة، من دون سابق إنذار، بإنهاء خدمات 7000 مدرّس غير كويتي، والتسبّب في مأساة حقيقية، كان من السهل تجنبها، من خلال التدرج في الاستغناء، مع نهاية السنة الدراسية، وليس في بدايتها. فإذا كنا نتصرّف هكذا مع أقل مشاكل الوزارة صعوبة، فما حال المشاكل الأهم والأخطر، علماً بأن السيد الوزير سبق أن صرّح، في أكثر من مناسبة، بأنه انتهى من إنجاز 80% من مهام «تطوير المناهج»، لكن لا أحد تقريباً يعلم ما الجهة (أو الجهات) التي تقوم بعملية التطوير، وما هي طبيعة ذلك التطوير، ولماذا تحاط العملية بكل هذه السرية؟

عادة ما تقوم الجهات المعنية بـ«التربية» باستخدام نتائج نظام TIMSS لمعرفة الاتجاهات الحديثة في التعليم، ومستوى طلبتها في الرياضيات والعلوم، وقياس مستوى تحصيلهم من هذه المواد، ويتم ذلك بإشراف دولي، وعلى طلبة الصف الرابع الابتدائي إلى الثامن المتوسط، وتجري الاختبارات كل 4 سنوات، وهذا يسمح بمعرفة التقدم أو التأخر Trends في مستواهم في كل دولة. وتشمل الدراسة الرياضيات، وعلوم الفيزياء، الكيمياء، الأحياء، وعلوم الأرض، والمهارات المعرفية، من تطبيق واستدلال وتفكير نقدي، إضافة إلى إجراء استبيانات للطلاب والمعلمين ومديري المدارس وغيرهم، وتصدر النتائج على شكل متوسط درجات كل دولة، يسمح بمقارنة أدائها مع مثيلاتها، وتحديد نقاط القوة والضعف في المناهج وطرق التدريس. إلا أن الكويت اختارت الغياب عن أغلبية هذه المشاركات البالغة الأهمية، مع أن السيد الوزير موجود في الوزارة منذ 700 يوم، وموعد الدورة المقبلة سيكون في 2030، وهذا يعني ببساطة اننا لا نمتلك أي بيانات عن أوضاع معلمينا، ومع هذا يقوم الوزير بالصرف على برامج مكلفة ومرهقة لتدريب المعلمين، فكيف يمكن القيام بذلك، في ظل غياب أداة قياس دولية معتمدة؟ كما أن الكويت غائبة تماماً عن المشاركة في مؤشرات وبرامج مهمة أخرى تتعلق بمواقف الطلبة من التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، ومع هذا تقدم التربية على وضع هذه البرامج للطلبة، في غياب تام لمن وضعها، وعما هو مطبق عالمياً، أو على الأقل خليجياً، مع استمرار غياب الكويت، دولياً وخليجياً، عن دورات حيوية يشارك بها مئات آلاف الطلبة والمعلمين.

وبالتالي، فإن سلسلة البرامج التدريبية، التي يقال إنه تم الاتفاق مع ثلاث جهات مختلفة للقيام بها، لتطوير الكوادر التعليمية والإدارية على منصات التدريب والتطوير حتى يوليو 2027، لا تخضع لمعايير دولية، فعن أي أسلوب تدريب تتكلم الوزارة؟ كما أن المضحك قيام التربية بفتح باب التسجيل للمعلمين للعمل في مراكز تعليم الكبار ومحو الأمية، وأيضاً في ظل قيام مؤشرات تقيس قدرات هؤلاء، دع عنك مدى كفاءة طريقة التعليم نفسها.

وأخيراً، أعلنت التربية عن التعاقد مباشرة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مقابل مبلغ 250 ألف دينار، للقيام بمجموعة «هائلة» من المهام، وهذا أمر يستحيل إنجازه بذلك المبلغ، الذي لا يكفي حتى لتغطية تكاليف «حل وترحال» الفريق الدولي المستعان به، لإجراء دراسة شاملة لواقع التعليم والمناهج الوطنية وإعادة هيكلة السياسات التربوية. علماً بأن هناك مركز تدريب تابعاً لوزارة التربية غائب تماماً عن القضية!

كما تم، في الفترة السابقة، التعاقد مع ثلاث جهات لتطوير التعليم، لكن لا أحد، حسب علمي، يعلم طبيعة هذه التعاقدات ولا تكلفتها، أو نطاق عملها، ولا لماذا لا يشمل التعاقد برنامجا لتدريب المعلمين والإداريين، كما كان العقد مع البنك الدولي، الذي سبق أن ألغي في عهد سابق، دون سبب معروف!

الخلاصة: تطوير التعليم مسألة خطيرة، تتطلب مشاركة أطراف من خارج الوزارة، كما أن تقليص مصاريف الوزارة في الجهات الحيوية يشبه تماماً عدم الصرف على صيانة السيارة، فالوفر المتحقق سيكلف أضعافه لإصلاحه.. الحديث طويل وذو شجون.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد