المقصود بـ«الخُمس» عند الشيعة الإمامية، في أغلبية تفاسيرهم، هو دفع خُمس الفائض الصافي، الذي يبقى من دخل السنة، بعد خصم نفقات المعيشة المعتادة، مع اختلاف في التفاصيل بين مرجع ديني وآخر.
يُقسَّم الخمس عادةً إلى قسمين: سهم السادة لصرفة على الفقراء والأيتام وأبناء السبيل من الهاشميين، أو السادة، وفق شروط فقهية محددة. وسهم الإمام «المهدي»، الذي في زمن غيبته، يكون حقاً للمرجع، الفقيه الجامع للشرائط، ولا إجماع على ما تعنيه «الشرائط»، وبوصفه نائباً عاماً أو وكيلاً في شؤون الدين، خلال الغيبة، وللمرجع تنظيم صرفه على المصالح الدينية والعامة، ومساعدة المحتاجين، وتمويل التعليم الديني والمؤسسات والخدمات المرتبطة بالمجتمع، وهذا كلام يصعب تطبيقه على أرض الواقع، والحقيقة أن الأمر متروك لتقدير المرجع، ولمن يديرون أموره. لذا لا يُنظر فقهياً إلى الخُمس، الذي يدفع للمرجع، باعتباره «راتباً شخصياً»، بل باعتباره تسليماً لجهة دينية مؤتمنة على مال شرعي، وتملك صلاحية تحديد مصارفه، ولا يعني ذلك أن كل رجل دين يحق له تلقائياً تسلّم الخُمس، فتحديد ذلك راجع كلياً لمن يدفع الخُمس.
المشكلة تكمن في أن أغلبية «المراجع العظام»، يصلون لتلك المرتبة، وهم كبار في السن، وشبه عاجزين، جسدياً وفكرياً، عن إدارة ما تحت أيديهم من أموال الخُمس، وبالتالي غالباً ما يتولى وكلاؤهم تلك المهمة، وبسبب ما دار من لغط، طوال عقود، حول طريقة إدارة تلك الأموال، خصوصاً في المرحلة التي تضخمت فيها بشكل كبير، قرّر كبار رجال دافعي الخُمس تولّي المهمة بأنفسهم، إما من خلال مبرّاتهم، أو صرفها على مشاريع خيرية.
فقهياً، لا يمتلك المرجع أموال الخُمس لنفسه، كما يملك الإنسان العادي راتبه أو ثروته، بل يُفترض أن يكون أميناً عليها، كمورد شرعي، وأن يتم الصرف ضمن الأغراض التي يجيزها الفقه،
لكن ما الفكرة أو الغرض أو الحكمة من وراء دفع الخُمس؟
الحكمة أن مال الإنسان ليس ملكية فردية مطلقة، بل يرتبط بحقوق شرعية تجاه المجتمع والدين. فلو احتفظ كل صاحب مال بماله، فمن سيرعى الفئات المحتاجة؟ ومن يموّل التعليم الديني ويبني دور العبادة... إلخ ذلك من أعمال؟ كما أن هذا المبلغ يوفّر للمراجع الدينية استقلالاً مالياً عن أموال الدولة، وأموال الشخصيات السياسية والأحزاب.
تاريخياً، كانت مبالغ الخمس تدفع للمراجع، وكانت الأمور شديدة البساطة، ولكن مع تزايد الثروات، سواء في إيران، والعراق، والدول الخليجية، التي تتوافر فيها نسبة من الشيعة، وزيادة أعداد وكلاء المراجع، فقد زاد التنافس على من يحصل على أعلى نسبة منها، وزاد الاختلاف على مجالات صرف الخمس، وطريقة حسابه، ومن يملك حق التصرّف فيه، ومصارف سهم الإمام، ومدى اتساع صلاحيات المرجع، ودرجة الشفافية المطلوبة في إدارة الأموال، وما إذا كان ينبغي نشر تقارير فصلية عن مقاديرها وطرق صرفها.
أحمد الصراف

