: آخر تحديث

الجانب المظلم لوظيفة كاتب الرأي

2
1
1

أمضيت أكثر من عشرين عامًا أمارس كتابة الرأي في صحفنا السعودية، مع فترات انقطاع متفاوتة لأسباب مختلفة. ولم يكن السبب دائمًا فقدان القناعة بجدوى الكتابة أو الشعور بضعف تأثيرها، بل كان هناك سبب آخر، أقل وضوحًا وربما أكثر إزعاجًا، وهو ما يمكن أن أصفه بـ"الانكشاف الخادع"، الذي كثيرًا ما تسببه الكتابة للكاتب، أكثر مما يقصده أو يريده.
في البداية، كنت أظن أن المشكلة يمكن تفاديها ببساطة، لذلك حرصت في معظم كتاباتي، على الابتعاد عن القضايا العامة والمثيرة للحساسيات، والتركيز بدلًا من ذلك على مجالات مهنية متخصصة أعرفها جيدًا. لكنني اكتشفت مع الوقت أن التخصص لا يلغي ذلك الانكشاف، وإنما قد يجعله أكثر حساسية.
فالقارئ العام قد يقرأ مقالًا، يختلف مع فكرته ثم يمضي. أما زميل المهنة فيقرأ النص وهو يحمل معه ذاكرة مشتركة، وأسماء يعرفها، وسياقات عاشها، وخلافات سابقة، وانطباعات تكونت عبر سنوات أو شهور. ولذلك قد يرى في جملة لا يُقصَد بها أحدًا شخصًا بعينه، وقد يقرأ تحليلًا مهنيًا باعتباره موقفًا من مؤسسة أو زميل أو تجربة يعرفها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية...
أحيانًا لا يتوقف الأمر عند سوء فهم طبيعي للنص، وإنما يجد بعض الزملاء فيما كتبه الكاتب مادة لبناء تفسير لم يقصده أصلًا: لماذا كتب؟ من يقصد؟ من يدعم؟ ومن ينتقد؟ وقد يتحول الاحتمال إلى انطباع، والانطباع إلى قناعة، ثم تصبح القناعة جزءًا من صورة مهنية يصعب تغييرها.
والأخطر أن يجد البعض في تلك التفسيرات وسيلة للنيل من الكاتب، لا بمناقشة الفكرة التي طرحها، وإنما من خلال ما يُنسب إليه من نوايا أو مواقف لم يقلها. وأخطر القراءات، في رأيي، ليست تلك التي تخطئ في فهم النص، وإنما تلك التي تستخدم النص لترسيخ رواية غير حقيقية عن صاحبه.
أتذكر على سبيل المثال، أنني كتبت منذ سنوات طويلة عن تراجع الصحافة المطبوعة، ورأيت مبكرًا أن نموذجها التقليدي يتجه إلى الأفول. وبالتأكيد، لم يكن ما كتبته موقفًا من أشخاص أو مؤسسات، وإنما قراءة لمسار تقني واقتصادي كنت أراه بوضوح. ومع ذلك، كان للمقال ثمن شخصي ومهني لم أتوقعه، خصوصًا لدى بعض الزملاء في المجال الإعلامي الذين لم يخفوا استياءهم بشدة من طرحي حول ذلك الشأن.
ولعل هذا هو الجانب الذي كان -ولا يزال- الأقسى عليّ نفسيًا، فالاختلاف في الرأي، حتى حين يكون حادًا، يمكن احتماله، بل هو جزء طبيعي وصحي من الحياة المهنية والفكرية. أما أن تخسر زميلًا أو علاقة مهنية امتدت سنوات بسبب رأي مهني أو علمي وفكري بحت كتبته، فذلك شيء مختلف تمامًا. يؤلمك ليس لأنه يجعلك تظن أنك كنت مخطئًا، وإنما لأنك لم تكن تقصد أن تخسر الإنسان من أجل الفكرة. وقد يكون الأصعب أن تكتشف، بعد مرور الوقت، أن حتى ثبوت صحة ما توقعته لا يعيد بالضرورة العلاقة إلى ما كانت عليه قبل الخلاف والاختلاف.
عندها بدأت أفهم أن كاتب الرأي لا يراهن فقط على صحة أفكاره، بل يراهن -من حيث لا يريد- على علاقاته المهنية أيضًا.. فما الحل إذا؟.
الحل بالتأكيد ليس توقف الكاتب عن الكتابة والبحث، أو تجنب كل ما يمكن أن يثير خلافًا.. فلو فعل ذلك، لتحولت كتابة الرأي إلى مساحة لاستجداء رضا الآخرين، وفقدت معناها.
الحل هو أن يكتسب الكاتب وعيًا بأن للرأي الصادق تكلفة لا يمكن تجنبها، وأن يدرك أن القارئ المتخصص قد يرى في السياق أكثر مما يقوله النص، وأن يكون دقيقًا في لغته بقدر ما هو مخلص وجريء في فكرته.
ولعل الحكمة في كتابة الرأي ليست أن تتعلم كيف تتجنب الاختلاف، وإنما أن تتعلم أي الاختلافات تستحق أن تخوضها، وما هو الثمن الذي يمكن، أو حتى الذي ينبغي أن تدفعه لأجلها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد