زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا ليست مجرد محطة في مسار العلاقات السعودية–الفرنسية، إذ جاءت في توقيت تتقاطع فيه التحولات الإقليمية مع إعادة ترتيب الاقتصاد العالمي، لتدفع بالشراكة بين الرياض وباريس إلى مساحة أوسع من إطارها السياسي التقليدي، ويكشف ذلك البيان المشترك للزيارة عبر الملفات التي ناقشها والتي تؤكد اتساع مفهوم الشراكة بين البلدين.
تأتي الاتفاقات التي كشفت عنها الزيارة في سياق رؤية مشتركة للبلدين، فمعظم المجالات التي تتحرك فيها الشراكة تقع في قلب التحول السعودي: الطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والثقافة، والصناعات المتقدمة. وفي المقابل، ترى فرنسا في المملكة سوقًا استثمارية كبرى واقتصادًا يتعاظم دوره الإقليمي والدولي، وهكذا تتجه العلاقة تدريجيًا من تبادل المصالح التقليدية إلى محاولة بناء قيمة مشتركة.
ويظهر ذلك بوضوح في الملف الأمني، فالرياض وباريس تتقاطعان في التأكيد على احترام سيادة الدول، والقانون الدولي، والحلول السياسية والدبلوماسية، وحماية الملاحة، فيما يأتي تعزيز التعاون الدفاعي والتسليحي والتدريبي في إطار أوسع لحماية المصالح المشتركة.
ومن هنا، اكتسبت ملفات مضيق هرمز واليمن وإيران وفلسطين ولبنان والسودان وسوريا حضورها في النقاش السعودي–الفرنسي، فالاستقرار الإقليمي لم يعد مسألة جيوسياسية منفصلة، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في البيئة التي تتحرك فيها الاستثمارات والمشروعات الكبرى.
وفي القضية الفلسطينية، يبرز تقارب سياسي واضح في التمسك بحل الدولتين، ورفض الإجراءات التي تقوض قيام الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، والدعوة إلى وقف الاستيطان وعنف المستوطنين، إلى جانب وقف مستدام لإطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية.
وفي هذا السياق، فإن مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة القدية للاستثمار لاستكشاف تطوير وجهة متعددة الاستخدامات في منطقة سيرجي بونتواز بإقليم إيل دو فرانس، باستثمارات قد تصل إلى نحو 6 مليارات يورو على مدى المشروع، لها أهمية تتجاوز قيمتها المالية، فهي تعكس اتجاهًا متناميًا نحو حضور الاستثمارات والمشروعات السعودية في الأسواق الخارجية، بالتوازي مع استقبال المملكة لرؤوس الأموال والخبرات الدولية.
أما العلا، فتمثل النموذج الأكثر وضوحًا لطبيعة الشراكة السعودية–الفرنسية الجديدة، فالتعاون هناك يتجاوز السياحة إلى التراث والآثار والبحث العلمي وإدارة الوجهات والاستثمار والتطوير الحضري، فيما يرسخ تمديد الشراكة حتى عام 2035 مسارًا طويل الأجل.
وفي سوريا، يفتح البيان المشترك نافذة أخرى على طبيعة التفكير الاقتصادي في المرحلة المقبلة، من خلال الحديث عن إمكانية استعادة موقع سوريا بوصفها جسراً بين أوروبا والخليج وآسيا، وتعزيز الطرق البديلة والاستثمار، إلى جانب إنشاء مجلس أعمال سعودي–سوري–فرنسي.
وفي الطاقة، تتجه الشراكة إلى ما هو أبعد من النفط والبتروكيميائيات، لتشمل الطاقة المتجددة وتخزينها والطاقة النووية السلمية والهيدروجين النظيف وكفاءة الطاقة وتقنيات خفض الانبعاثات وإزالتها.
لكن الملف الذي قد يرسم مستقبل العلاقة على نحو مختلف هو الذكاء الاصطناعي، باعتباره استثماراً واعداً يتكفل بإعادة صياغة الأفكار والأعمال والمبادرات في مواكبة للواقع المتجدد.
لهذا يمكن قراءة زيارة ولي العهد إلى باريس باعتبارها محاولة لإعادة تعريف علاقة تمتد لعقود، بما يلائم الرؤية السعودية ويقدم شراكة نموذجية.

