: آخر تحديث

نقاشي مع طبيب غيور

1
1
1

لا غرابة في أن تخرج من برنامج متلفز نقل مناظرة تلفزيونية مع ممثل يدافع عن جهة ما بشراسة ثم تجده نهاية الحلقة و(تحت الهواء) يؤيد ما ذكرت ويثني عليك ويشكرك، وقد واجهت مثل هؤلاء كثيرا جدا ويشهد على ذلك عدد من الزملاء المذيعين ممن يستغربون الوضع ولا أستغربه أنا، لأنني أعرف أن ممثل الجهة جاء مكلفا بالدفاع عنها وسيغير انطباعه الشخصي إذا سمع ما يقنعه، لكنه لن يغير موقفه ولن يتخلى عن مهمته.

الغريب أنني دخلت في نقاش حبي مع طبيب لم أكن أعرفه، وكان هو يعرف عني دفاعي عن المرضى الذين يتركهم بعض أطبائهم في المستشفى الحكومي نهارا جهارا وأثناء الدوام الرسمي مخالفين للأنظمة من أجل الذهاب لمستشفى خاص أو أهلي لتحقيق كسب مادي غير مشروع، وفي بداية نقاشنا كان يلومني على ما أكتب بحجة أنه يشوّه مهنة الطب الإنسانية، وعندها حاججته أن من يشوّه مهنة الطب هو من يخالف قيمها وأخلاقياتها وإنسانيتها وأن من لديه غيرة على مهنة الطب (ما يسمى بروح النقابة) يتوقع منه أن يعاقب ويردع من يمارس ما يخالف أخلاقيات المهنة فيجعلهم قلة، لا أن يلوم من يحاول ردعهم بقلمه، وهذا ما قاله معالي الدكتور فهد العبدالجبار أحد أشهر عمداء كلية الطب وصاحب الإنجازات الجبارة في كل الجهات التي تولاها، عندما قال (الغيرة على المهنة أو روح النقابة هي أن تحمي المهنة من المخالف لا أن تدافع عنه)، ثم ذكرت لزميلي الطبيب أمثلة لحالات مؤلمة واجهها مرضى قادمون من بعيد ومرضى إصابات حالتهم حرجة نتيجة ما أسميته (تزويغ) أطبائهم، وهذا ما دعا الدولة -أعزها الله لسن أنظمة وتوجيهات تقف ضد تلك الممارسات المشينة، فما كان من صاحبي هذا إلا أن اقتنع ووافقني الرأي؛ بل زودني بمواقف أشد مما شاهدت ويقف لها شعر البدن من قسوتها على المريض.

ذلك الطبيب أصبح صديقا بل وحبيبا وخليلا أحبه ويبادلني نفس الشعور، لكنه عاد ليلومني على ما أكتب وحجته هذه المرة هي: ما ذنب الخريجين الجدد من الأطباء ممن لم يجدوا وظيفة أو دخلهم قليل؟! وهنا قلت له: بل ما نكتب يصب في مصلحتهم وبقوة، فلو كف الاستشاريون الحكوميون عن العمل في أكثر من مستشفى خاص فإن الجدد سيجدون الفرص، ولو تقاعد كبار الاستشاريين أو انتقلوا نظاميا للمستشفى الخاص فإن الجدد سيجدون شواغر في الحكومي ويسيرون على خطى من سبقهم وينجحون ويشتهرون.

يا صديقي ألم نشاهد من يحضر العملية الجراحية لمسح المعقمات على المريض والتصوير ثم يجري العملية زملاؤه الجدد فلا يجدون فرصة الظهور والشهرة؟! ألا تعلم أن البعض لا يحضر العملية العلاجية ولا يشارك فيها ثم يتصل به زميل للتواجد في صورة ستنشر ليشتهر؟! إن مهنة الطب يا صاحبي مثل كل المهن عرضة للاستغلال والفساد والنفع والتنفيع وحماية سمعتها (مثل غيرها) بمحاربة من يخون أمانتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد