: آخر تحديث

قَسَم الشاهد في المحكمة.. وطريقة «البشعة»

4
4
5

تتطلب غالبية محاكم العالم من الشهود القسم أمامها بنص محدد، مع وضع أيديهم على كتاب مقدس، يخص عقيدة الشاهد، وهو إجراء اختياري، فله أن يقسم أو يُصدر إعلانًا صريحًا، affirmation، إذا لم تكن لديه الرغبة في وضع يده على كتاب مقدس، بنص محدد. وهذا الإجراء متبع في كل الدول العلمانية، أما في دول مثل الصين أو الهند، فإن الأمر يختلف، بسبب ضخامة عدد سكانها، وشبه عدم إيمان شعب الأولى بأية عقيدة دينية، وتنوع ديانات الثانية، وتعددها، فليس بها نص أو إجراء موحد، مثلما هو سائد في المحاكم الغربية أو العربية الإسلامية، لكن يمكن تلخيص الصورة هكذا استنادًا للقوانين والإرشادات المنشورة المعروفة، حيث لا يبنى القسم في النظام الصيني على صيغة دينية، بل على تعهّد قانوني بالصدق، مع وجود اختلافات بين نوع الدعوى (جنائية / مدنية) وبين الأنظمة الداخلية للمحاكم، ونصها في الغالب: أُقسم أن أقول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة في شهادتي. وفي المحاكم الهندية، لا يختلف الأمر كثيرا عن الغرب، فبإمكان الشاهد وضع يده على كتاب مقدس، أو رمز إلهي، أو تأكيد غير ديني، حسب رغبته، لكن الجوهر واحد: التعهّد بقول الحقيقة.

عادة القسم على القرآن في المحاكم طارئة، وليست أصيلة، بالرغم من قدمها، ولا نص عليها في أي من الكتب الدينية، ولأسباب منطقية، لأن جمع وكتابة القرآن جاء متأخرا، نوعا ما، ولم تكن هناك نسخ كافية منه، يمكن توزيعها على ملايين المدن والقرى في مختلف أصقاع العالم الإسلامي. وبالتالي فإن «اليمين» في القضاء ثابتة بالقرآن، والأساس هو الحلف بالله، أما ربطه بالمصحف فليس ركناً في اليمين. لذا استغربت استهجان البعض مما كتبته عن رفضي القسم على نسخة من المصحف الذي طلب سفيرنا في السعودية، خلال فترة الاحتلال، القيام به، وقلت له إن كلمتي تكفي، فبإمكاني وضع يدي عليه والإدلاء بشهادة مزورة، وهذا يحدث اليوم في جهات كثيرة، وهي صورة من صور قلة الاحترام للكتاب المقدس، في أية بقعة. كما أن فقهاء المالكية، المذهب المتبع في الكويت، ذكروا أن تغليظ اليمين بوضع اليد على المصحف بدعة استحدثها بعض القضاة، ولم تُعرف عن الصحابة الأوائل، وهي فكرة مستُوردة من النُظم الغربية، التي تخلت غالبيتها عنها، واستمر تمسكنا بها، ونحن أصلا من قلدهم.

وبالتالي فإن الإلزام الحالي غير منطقي بتانا. فالعبرة بمصداقية الشهادة لا يمكن الركون لها فقط لأنها تمت على كتاب مقدس، والذي قد يكون أحيانا رادعا، بل بمصداقية الشاهد، وخوفه من العقوبة التي تنتظره، إن تبين كذبه. ونتيجة لتجارب بعض جماعات شمال الجزيرة العربية، في الصحاري الأردنية والسورية، وحتى في سيناء وصعيد مصر، في هذا المجال، فقد وجدوا أن البعض يقوم بالحلف على كتاب مقدس ويتبين تاليا أنه لم يقل الحقيقة، لذا توصلوا لطريقة مختلفة للجزم بالمذنب والبريء، وتُسمّى عندهم بـ«البشعة»، وتتلخص في قيام كبير القبيلة بتسخين لوح أو قطعة حديد على النار، ويُطلب من المتخاصمين أو المتَّهَم لعقها أمام الحضور، فإذا لم يتعرّض لسانه لحرق ظاهر اعتُبر بريئاً، وإذا احترق لسانه أو عجز عن الإقدام على اللعق عُدّ كاذباً أو مُداناً بحسب العُرف، اعتمادا على أن الكاذب ينشف حلقه من الخوف فيحترق لسانه، أم البريء فلعاب فمه يقيه من الحرق الظاهر.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد