عادة القسم على القرآن في المحاكم طارئة، وليست أصيلة، بالرغم من قدمها، ولا نص عليها في أي من الكتب الدينية، ولأسباب منطقية، لأن جمع وكتابة القرآن جاء متأخرا، نوعا ما، ولم تكن هناك نسخ كافية منه، يمكن توزيعها على ملايين المدن والقرى في مختلف أصقاع العالم الإسلامي. وبالتالي فإن «اليمين» في القضاء ثابتة بالقرآن، والأساس هو الحلف بالله، أما ربطه بالمصحف فليس ركناً في اليمين. لذا استغربت استهجان البعض مما كتبته عن رفضي القسم على نسخة من المصحف الذي طلب سفيرنا في السعودية، خلال فترة الاحتلال، القيام به، وقلت له إن كلمتي تكفي، فبإمكاني وضع يدي عليه والإدلاء بشهادة مزورة، وهذا يحدث اليوم في جهات كثيرة، وهي صورة من صور قلة الاحترام للكتاب المقدس، في أية بقعة. كما أن فقهاء المالكية، المذهب المتبع في الكويت، ذكروا أن تغليظ اليمين بوضع اليد على المصحف بدعة استحدثها بعض القضاة، ولم تُعرف عن الصحابة الأوائل، وهي فكرة مستُوردة من النُظم الغربية، التي تخلت غالبيتها عنها، واستمر تمسكنا بها، ونحن أصلا من قلدهم.
وبالتالي فإن الإلزام الحالي غير منطقي بتانا. فالعبرة بمصداقية الشهادة لا يمكن الركون لها فقط لأنها تمت على كتاب مقدس، والذي قد يكون أحيانا رادعا، بل بمصداقية الشاهد، وخوفه من العقوبة التي تنتظره، إن تبين كذبه. ونتيجة لتجارب بعض جماعات شمال الجزيرة العربية، في الصحاري الأردنية والسورية، وحتى في سيناء وصعيد مصر، في هذا المجال، فقد وجدوا أن البعض يقوم بالحلف على كتاب مقدس ويتبين تاليا أنه لم يقل الحقيقة، لذا توصلوا لطريقة مختلفة للجزم بالمذنب والبريء، وتُسمّى عندهم بـ«البشعة»، وتتلخص في قيام كبير القبيلة بتسخين لوح أو قطعة حديد على النار، ويُطلب من المتخاصمين أو المتَّهَم لعقها أمام الحضور، فإذا لم يتعرّض لسانه لحرق ظاهر اعتُبر بريئاً، وإذا احترق لسانه أو عجز عن الإقدام على اللعق عُدّ كاذباً أو مُداناً بحسب العُرف، اعتمادا على أن الكاذب ينشف حلقه من الخوف فيحترق لسانه، أم البريء فلعاب فمه يقيه من الحرق الظاهر.
أحمد الصراف

