توجد ثلاثة تيارات رئيسية تتعلق بالعلاقة بين الصهيونية واليهودية، الأول يرى أنهما لا تنفصلان، فهما جوهر اليهودية، والثاني يرى اختلافهما، فاليهودية، ديناً وأخلاقاً، أقدم بآلاف السنين من القومية الحديثة، والأخيرة، أقلية، ترى أن الصهيونية تتناقض مع اليهودية، فالمسيح وحده هو من يستطيع إعادة السيادة اليهودية على الأرض، وبالتالي فإن الدولة العلمانية، التي تُنشأ بالقوة أو بالسياسة، غير شرعية دينياً.
بشكل عام، العديد من الصهاينة يهود متدينون، يستمدون جذور صهيونيتهم من اليهودية، في حين أن غيرهم علمانيون، لكنهم يؤيدون تقرير المصير القومي اليهودي لأسباب تاريخية أو ثقافية أو أمنية.
ولأن الصهيونية أيديولوجية سياسية، وليست عقيدة، فإن الطريقة الأكثر دقة لتفسيرها هي أنها تعتمد على النصوص والرموز والتاريخ الديني اليهودي، لكنها ليست متطابقة معها في العمق. فصهيونية هرتزل كانت مشروعاً قوميّاً سياسيّاً بالأساس، فاليهود شعب مضطهد في أوروبا يحتاج إلى دولة قومية، واختيرت فلسطين لأنها «الوطن التاريخي»، وذات حمولة دينية في المخيال اليهودي. ومع أن هرتزل لم يكن رجل دين، فإنه قام بتوظيف اليهودية، على الرغم من علمانيته، وأغلبية من كانوا معه من المؤسسين، باستخدام نصوص العهد القديم، وقصة «شعب الله المختار»، والوعد الإلهي بالأرض، لتبرير «الحقّ السياسي» في دولة يهودية فوق أرض يسكنها شعب آخر.
أما الصهيونية المسيحية Christian Zionism، فإنها تُعدُّ تيّاراً داخل الكنيسة الإنجيلية الأمريكية المحافظة، وترى في إسرائيل تحقُّقاً لنبوءات توراتية، ولها تأثير كبير في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، خاصَّةً في الحزب الجمهوري، وتعتمد على قراءة حرفيَّة لنصوص العهد القديم، حيث يُعتقد أن عودة اليهود إلى «أرض الميعاد» شرطٌ لمجيء المسيح الثاني، ثم «الاختطاف» Rapture، ووقوع فترات الضيق، لتتبعها ألف عام من السلام. وبالتالي لا يرى هؤلاء «الإنجيليون» في اليهود «إخوة دينيِّين»، بل أداة في خطَّة الله لعودة المسيح، بعد «التحوُّل» الجماعيِّ للمسيحية أو الهلاك. وهنا تكمن التراجيديا، والاختلاف مع التصوّر اليهودي التقليدي، و«التوتّر اللاهوتي العميق»، المسكوت عنه، بين الطرفين. فالرؤية الصهيونية المسيحية تتوقع وقوع معركة «أرمجدون»، كحرب كبرى في فلسطين بين «قوى الخير» (المسيح وجيش المؤمنين)، و«قوى الشر» (تحالف أمم كافرة)، تنتهي بانتصار المسيح وبدء الحكم الألف، وهذا لا يمكن أن يتحقق بغير تجمُّع اليهود في فلسطين، وتهيئة المسرح لمعركة أرمجدون، وعودة المسيح، ونهاية اليهود.
لكن التصور اليهودي مختلف، فهم يرون أن وجودهم كـ«يهود دينيّاً» ليس نهاية القصة، بل مرحلة مؤقتة تُفضي، بعد حرب كبرى في آخر الزمان، إلى خروج «شعب إسرائيل» منتصراً، بقيادة «المسيح اليهودي»، الذي يأتي لأوّل مرة، ليقيم مُلكاً لليهود على كل الأمم، وإذلال «الأغيار»! ومن هنا يتجلّى التناقض، فكل جهة تستخدم الأخرى لتحقيق هدفها، المتمثل، في النهاية، في فناء الآخر!
ملاحظة: اختيار السيد مجتبي خامئني مرشدا جديدا، لإيران، خلفا لوالده، يعني ببساطة أن الوضع الخطير في المنطقة سيستمر.
أحمد الصراف

