: آخر تحديث

بدايات الأفول

3
3
2


غاب العقل الرشيد عن رأس نظام ملالي إيران، حين انزلقت القيادة الثيوقراطية إلى قراءة متصلبة للواقع، ودفعت بها الغطرسة إلى اختبار حدود القوة خارج منطق الدولة، وموازين المصالح.

ومع بدايات المعركة، جاءت الضربة العسكرية الأميركية دقيقة في توقيتها وأهدافها، لتكشف أن طهران كانت تتحرك بعقل مأزوم، أكثر مما تتحرك بحسابات سياسية متزنة.

وإذا كان المشهد قد انتهى إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وسقوط قيادات سياسية وعسكرية، فإن الأهم من الحدث ذاته هو ما يرمز إليه: اهتزاز مركز القرار، وتآكل قدرة النظام على إدارة الأزمة.

وأيضا، انتهى المشهد إلى انكشاف هشاشة البنية التي حكمت إيران لعقود على قاعدة تعبئة أيديولوجية، وصراع دائم مع الجوار، وتحميل الشعب الإيراني كلفة عزلة اقتصادية واجتماعية طويلة.

بدا العقل الثيوقراطي عاجزاً عن التعقل؛ لذا انتهى الفصل الأول من نظام جثم على صدر الشعب الإيراني لعقود، أذاقه لوعة الحصار الاقتصادي، وأدخله في دوامات حرمان لا تنتهي، إنسانياً واجتماعياً. في المراحل الانتقالية التي تعيشها طهران منذ أيام، وبعد مقتل خامنئي، وقيادات سياسية وعسكرية، تتكشف الأمور تدريجياً، وتستقر المواقف على أكثر من سيناريو سياسي خارج سياج الغموض والالتباس. غير أن المشهد يحمل دلالات عدة تشير إلى تغيير حتمي في بنية النظام الإيراني.

لقد بنى المعممون سرديتهم على تصدير الثورة، وعلى خطاب "نصرة المستضعفين"، لكن التطبيق العملي لهذا الخطاب اتخذ مسارات صدامية تجاه محيطه، العربي والخليجي. وتحولت سردية الثورة في كثير من المحطات إلى تدخل مباشر في الشؤون الداخلية، ومحاولات لزعزعة الاستقرار، وتغذية الانقسام المذهبي، فضلاً عن افتعال ملفات نزاع وخرائط ادعاء، ومنها ما ارتبط بحقل "الدرة"، وبسرديات تتجاوز قواعد القانون والمنطق.

ومع دول "مجلس التعاون" الخليجي تحديداً، أساءت طهران قراءة سياسة الصبر وحسن الجوار، وظنت أن التوازن الخليجي بين ضبط النفس والجاهزية العسكرية يمكن أن يُستنزف بلا ثمن.

غير أن تطورات المواجهة الأخيرة أثبتت أن حدود الاحتمال ليست مفتوحة، وأن العبث المستمر يفضي في النهاية إلى ردع مباشر، أو إلى عزلة أشد قسوة على ملالي النظام الإيراني.

في المقابل، لا يقل إرباكاً ما يظهر في بعض ردود الفعل العربية التي تتعامل مع إيران بوصفها "ضحية"، أو تُصعد خطاب العداء التقليدي لأميركا إلى درجة تبرئة مشروع طهران الإقليمي.

هذه مقاربة غير عقلانية؛ لأن معيار السياسة ليس الشعارات، بل ميزان الضرر والمصلحة. وحين تكون إيران هي الطرف الذي يهدد الأمن الإقليمي ويعبث بالسيادة ويصنع الأزمات، يصبح التركيز على "عدو بديل" نوعاً من الهروب الفكري لا أكثر.

أما تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها "الإخوان" و"حماس"، فهي جزء من هذا الالتباس؛ إذ تتبنى خطاباً ضبابياً يراوغ بين الوطنية والانتماء التنظيمي، ويُقدم حسابات الأيديولوجيا على ضرورات الدولة، خصوصاً في اللحظات الحساسة التي تحتاج إلى وضوح في الموقف، لا إلى بيانات رمادية.

الخلاصة أن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الانفعال، بل إلى عقل سياسي يميز بين العدو الحقيقي ومصادر الخطر الفعلية. والتعامل مع ما يجري في إيران، ينبغي أن يُقرأ بوصفه تحولاً استراتيجياً: بدايات نهاية مرحلة من التمدد عبر الخرافة السياسية والدينية، وبداية اختبار صعب لمرحلة انتقالية، ستعيد رسم العلاقة بين إيران وجوارها وفق قواعد جديدة.

وفي كل الأحوال، نحن لا نعتاش على الفضائح والصفقات، ولا نصدر الجنون والتهور، لكننا ننصح جماعة "الإخوان المسلمين" وغيرهم بالقفز إلى الأمام المستنير العاقل، لا الارتهان إلى الوراء المظلم والظالم.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد