: آخر تحديث

أميركا... الذكاء الاصطناعي في عيون الحزبين الكبيرين

3
4
3

من الواضح أنَّ للذكاء الاصطناعي استخدامات مفيدة، لا سيما في المجالات الطبية؛ فقد يكون، على سبيل المثال، أفضل من البشر في تحديد الأورام السرطانية الموضعية من خلال الصور الطبية. بيد أن قائمة الأشياء التي يتسبب في إفسادها طويلة للغاية.

ولو أردنا حصر هذه القائمة -بصفة جزئية للغاية- فقد نبدأ بالتعليم؛ سواء داخل الفصول الدراسية، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد بوصفه أداة تعليمية مشكوكاً في جدواها، أو خارجها؛ حيث تحوّل إلى «آلة للانتحال الأدبي». كما ستشمل القائمة الاستدامة الاقتصادية، والقيمة الإنسانية الأساسية للفنون، وهو ما تجسّد في فوز مغني موسيقى الريف «الاصطناعي» بالمركز الأول في قائمة «بيلبورد» هذا العام. وسيتصدر القائمة تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل، وهو تأثير سيئ بالفعل -بمن في ذلك أولئك الذين يتعين عليهم خوض غمار مستنقع محبط يعج بالذكاء الاصطناعي للبحث عن وظائف- ومن المرجح أن يزداد الأمر سوءاً في المستقبل.

ثم هناك ما تبقّى من شعورنا بالواقع المشترك، والذي يزداد تشوهاً بفعل مقاطع الفيديو الرديئة. كما أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تُسبب أضراراً بالغة للبيئة، وتؤدي إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء. ويبدو أن روبوتات الدردشة تحفز حالات الذهان لدى بعض مستخدميها، بل وصل الأمر في حالات قصوى إلى التحريض على الانتحار. فضلاً عن تآكل الخصوصية، مع تمكين الذكاء الاصطناعي لعمليات الرقابة الحكومية والمؤسسية على نطاق مذهل. والقائمة تطول أكثر وأكثر.

وما الذي نحصل عليه في المقابل جرّاء هذا التدهور المنهجي لأغلب الأشياء التي تجعل للحياة قيمة؟ حسناً، لقد وعدنا «سام ألتمان»، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، بالعجائب؛ إذ كتب في يونيو (حزيران): «إن معدل تحقيق المعجزات الجديدة سيكون هائلاً»، وأضاف: «من الصعب حتى تخيل ما سنكتشفه بحلول عام 2035؛ فربما ننتقل من حلّ معضلات فيزياء الطاقة العالية في عام، إلى البدء في استعمار الفضاء في العام التالي». ومع ذلك، من بين أبرز الابتكارات التي أعلن عنها «شات جي بي تي» التابع لشركة «أوبن إيه آي» في عام 2025 هي «المواد الإباحية المخصصة»، و«ميزة التسوق» داخل التطبيق.

صحيح أن التقنيات الجديدة غالباً ما تُثير مخاوف تبدو مضحكة، أو على الأقل مبالغاً فيها عند استذكارها لاحقاً، لكن الذكاء الاصطناعي -في جانب واحد مهم على الأقل- يُشبه القنبلة النووية أكثر مما يُشبه المطبعة أو خط التجميع؛ إذ أدرك مبتكروه إمكاناته التدميرية منذ البداية، لكنهم شعروا برغبة جامحة في توجيه الضربة الأولى بأنفسهم قبل منافسيهم.

وفي كتابها «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»، الذي يتناول شركة «ألتمان»، تقتبس «كارين هاو» رسالة بريد إلكتروني كتبها «ألتمان» إلى «إيلون ماسك» في عام 2015، جاء فيها: «لقد فكرتُ كثيراً فيما إذا كان من الممكن منع البشرية من تطوير الذكاء الاصطناعي، وأعتقد أن الإجابة هي: كلا، بكل تأكيد». وبناءً على ذلك، اقترح إنشاء ما يشبه «مشروع مانهاتن للذكاء الاصطناعي»، بحيث تؤول ملكية هذه التكنولوجيا الخطيرة لشركة غير ربحية تدعم التنظيم الحكومي الصارم.

بيد أن ألتمان شرع هذا العام في إعادة هيكلة شركة «أوبن إيه آي» لتصبح شركة هادفة للربح.

وعلى الرغم من احتضان ترمب صناعة الذكاء الاصطناعي، فإن المواقف تجاه هذه التكنولوجيا لا تنقسم وفق خطوط حزبية واضحة؛ بل إن الذكاء الاصطناعي يُثير الانقسام داخل كلا الحزبين. فحاكم فلوريدا الجمهوري رون ديسانتيس يُعد من أشد المشككين؛ وقد اقترح في مارس (آذار) الحالي «وثيقة حقوق للذكاء الاصطناعي» تتطلب إخطار المستهلكين عند تفاعلهم مع الذكاء الاصطناعي، وتوفير رقابة أبوية على روبوتات الدردشة، ووضع حواجز حماية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستشارات النفسية.

ومع ذلك، فإنَّ عدداً من القادة الديمقراطيين يبدون تفاؤلاً كبيراً تجاه الذكاء الاصطناعي، آملين في جذب استثمارات تكنولوجية إلى ولاياتهم، وربما لتلميع صورتهم بوصفهم قادة متفائلين ومتطلعين للمستقبل. فقد صرح حاكم ولاية بنسلفانيا الديمقراطي جوش شابيرو، في قمة للذكاء الاصطناعي نُظمت في أكتوبر (تشرين الأول): «هذه التكنولوجيا ستُغير قواعد اللعبة. نحن لا نزال في بداية هذه الثورة، وبنسلفانيا مهيأة للاستفادة منها». وقد أطلق شابيرو برنامجاً تجريبياً لزيادة استخدام الموظفين الحكوميين للذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل، كما سهّل بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عبر تبسيط إجراءات التصاريح ذات الصلة.

ثمة مكاسب واضحة للسياسيين الذين يلحقون بركب الذكاء الاصطناعي؛ فهذه الشركات فاحشة الثراء تتربع على عرش أحد القطاعات القليلة الآخذة في النمو الاقتصادي. وقد أعلنت شركة «أمازون» أنها ستنفق ما لا يقل عن 20 مليار دولار على مراكز البيانات في بنسلفانيا، وهو ما يروّج له شابيرو بوصفه أكبر استثمار للقطاع الخاص في تاريخ ولايته. وفي وقت يسود فيه الركود الوطني، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعد بالحيوية والتجديد المدني.

بيد أن استطلاعاً للرأي نُشر أوائل ديسمبر (كانون الأول)، يُظهر أن أغلب سكان بنسلفانيا -كحال أغلب الأميركيين بشكل عام- يشعرون بالقلق حيال الذكاء الاصطناعي. فقد وجد الاستطلاع، الذي أجرته «إيمرسون كوليدج»، موافقة واسعة على أداء شابيرو، لكنه كشف عن شكوك حيال إحدى قضاياه الجوهرية؛ إذ صرح معظم المشاركين بأنهم يتوقعون أن يقلص الذكاء الاصطناعي عدد الوظائف المتاحة، ورأت الأغلبية أنه سيلحق الضرر بالاقتصاد والبيئة. ومن الجدير بالذكر -بالنظر إلى أن الرعاية الصحية هي أحد القطاعات التي يعد فيها الذكاء الاصطناعي بأكبر قدر من النجاح- أن 59 في المائة من العاملين في هذا القطاع، ممن شملهم الاستطلاع، أبدوا تشاؤماً واضحاً تجاه هذه التكنولوجيا. كما صرح 71 في المائة من المشاركين بأنهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يُشكل تهديداً للبشرية.

ويبقى السؤال الجوهري مع دخول عام 2026: أي حزب سيتحدث باسم الأميركيين الذين يمقتون تغلغل الذكاء الاصطناعي في حياتهم ويرغبون في الحد من انتشاره؟

* خدمة «نيويورك تايمز»


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد