: آخر تحديث

أزمة واشنطن بوست.. دروس قاسية للإعلام في زمن التحولات

4
4
3

عشتُ في واشنطن العاصمة أكثر من عقد، وكانت صباحاتي تبدأ دوماً بصحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز الورقيتين، اللتان لم تكونا بالنسبة لي مجرد صحيفتين، بل نموذجين لمدرستين صحفيتين تابعتُهما منذ التسعينيات وحتى اليوم، واستخدمتهما في بحوثي ومحاضراتي معيارًا (benchmark) لما أراه نموذجاً يُحتذى تحريرياً وإدارياً، وقدرةً على استشراف مستقبل الصحافة ومواكبة تحولاته.. لذلك لم أقرأ «كارثة الواشنطن بوست» الراهنة بوصفها تعثراً إدارياً عابراً، بل تحولا بنيويا يمس واحدة من أكثر العلامات الصحفية تأثيراً في العالم.

في تقديري، لم تنشأ أزمة «واشنطن بوست» من خطأ مهني منفرد، بل من تفاعل ثلاثة مسارات رئيسة:

* المسار الأول كان سياسياً تحريرياً، فقد أسهمت الضغوط غير المسبوقة - التي مارسها الرئيس دونالد ترمب على وسائل الإعلام- في دفع الصحيفة إلى الانخراط المكثف في تغطية تلك المرحلة، وممارسة دورها الرقابي بقوة ومشروعية. غير أن بيئة الاستقطاب الحاد جعلت هذا الحضور الكثيف يُقرأ لدى شريحة واسعة باعتباره خصومة شخصية، أو انحيازاً أيديولوجياً، وأن يُفسَّر بوصفه تموضعاً سياسياً، لا ممارسة مهنية. ففي أزمنة الانقسام، لا يُقاس التوازن الإعلامي بعدد المواد الناقدة أو المؤيدة، بل بكيفية بناء الأجندة، والفصل الصارم بين الخبر والرأي، والحرص على لغة منضبطة تخلو من الشحن والانفعال.

* المسار الثاني كان اقتصادياً، حيث منحت الطفرة في الاشتراكات الرقمية -خلال سنوات ترمب- الصحيفة زخماً كبيراً، لكنها ربطت النمو بمرحلة سياسية استثنائية. ومع انحسار تلك المرحلة، تراجعت الاشتراكات، واتضح أن النمو لم يكن مستنداً إلى تنويع كافٍ في المنتجات، أو إلى قاعدة قرَّاء مستدامة، بل إلى ظرف سياسي مؤقت. ورغم أن ملكية جيف بيزوس وفَّرت دعماً مالياً مهماً، فإنها لم تُغنِ عن الحاجة إلى نموذج دخل طويل الأمد ومتوازن.

* أما المسار الثالث فكان مؤسسياً وإستراتيجياً، فقد بدا أن الصحيفة لم تحسم رؤيتها بوضوح: هل تظل صحيفة وطنية شاملة، أم منصة رقابية سياسية أولاً، أم علامة رقمية متعددة المنتجات؟ هذا التردد أثّر في وضوح الرسالة وتماسكها.. وعندما تتشتت الإجابة عن سؤال الهوية، تضطرب الأولويات ويضعف الإيقاع التحريري، ويقل بالتالي ولاء القارئ، ويغادر لوسائل أخرى.

في المقابل، لم تكن «نيويورك تايمز» بمنأى عن الاستقطاب ذاته، لكن الفرق هو أنها دخلت المرحلة ذاتها وقد أنجزت تحولها الرقمي مبكراً، ووسعت منتجاتها خارج السياسة إلى الثقافة والاقتصاد والرياضة، والبودكاست والألعاب، فهي لم ترمِ ثقلها بمرحلة سياسية واحدة، بل بنت منظومة اشتراكات ونموذج إيرادات متعدد الركائز، ما منحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات.

أزمة «واشنطن بوست» تُمثّل درساً بليغاً وتذكيراً بأن تاريخ المؤسسة الإعلامية وسمعتها العريقة لا يمنحانها حصانة دائمة، فالمؤسسات لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجياً حين يرتبط نموها برهانات قصيرة الأجل، أو حين يغيب عنها وضوح الرؤية الإستراتيجية. الدرس لأي مؤسسة صحفية في العالم واضح: الاستدامة والنجاح لا يتحققان عبر تدفقات مالية عابرة أو خطط إنقاذ مؤقتة، بل يتطلبان، أولاً وقبل كل شيء، رؤية تحريرية وإدارية واضحة، وفكراً قيادياً ثاقباً يمتلك القدرة على قراءة المتغيرات بدقة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب قبل أن تتحول التحديات إلى أزمات تفرض نفسها بقسوة شديدة.

وأخيراً، في زمن تتسارع فيه إيقاعات وسائل التواصل الاجتماعي وتتنامى تأثيرات الذكاء الاصطناعي، قد تبدو المراهنة على الإثارة و»الترند»؛ أو ما بات يُعرف بـ»الضجيج الإعلامي»، طريقاً سريعاً لتحقيق العوائد والجماهيرية والمشاهدات، لكنه لا يبني عملاً رزيناً موثوقاً قادراً على الاستمرار والصمود.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد