: آخر تحديث

من الدرعية إلى 2030... سردية الدولة السعودية

4
4
4

زرت الدرعية مرات عدة، مررت بقصورها وقلاعها الطينية، وكلما عدت إليها شعرت بدهشة لا تخفت، ليست دهشة الوقوف أمام مكان يمتد بثلاثة قرون إلى عام 1727، بل دهشة السؤال الذي يتكرر داخلي: كيف يمكن لهذا المكان البسيط أن يصل إلى ما وصل إليه، من قصر لا تتجاوز مساحته بضعة آلاف الأمتار، وثلاثة طوابق ومجلس متواضع، ورجال اجتمعوا وتحلقوا حول فكرة هي أكبر من المكان، بل أكبر من الإمارة نفسها، وإمام يدرك أن ما هو ذاهب لتأسيسه ليس حصناً، بل معادلة استقرار في قلب بيئة مضطربة، الفوضى هي عنوانها الأبرز وسمتها الأساسية؟! لم تكن أمامهم خرائط سياسية معلقة على الجدران، ولا مؤشرات اقتصادية تقاس بالأرقام، ولا مؤسسات حديثة تحيط بهم، بل إرادة صلبة وإيمان راسخ وعميق بضرورة تنظيم الاجتماع السياسي وصياغة عقد بين الحكم والمجتمع. هنا أدركت أن التأسيس لم يكن حدثاً عابراً، ولا حفلة شاي، بل كان اختياراً واعياً لبناء دولة؛ معادلة سياسية ستختبر مراراً وتنجح في كل مرة في إعادة إنتاج نفسها.

كل ذلك كان حاضراً في ذهني ونحن نحتفل هذه الأيام بيوم التأسيس للمرة الخامسة. فقد أدركت أن القرار الملكي الصادر في يناير (كانون الثاني) 2022 باعتماد الثاني والعشرين من فبراير (شباط) يوماً وطنياً، لم يكن إجراءً تنظيمياً أو مجرد إضافة إلى رزنامة الاحتفالات الوطنية، بل هو تثبيت لوعي جمعي وذاكرة مشتركة ببداية سردية أو قصة الدولة، وربط الأجيال بجذورها التي تمتد إلى لحظة التكوين الأولى في الدرعية عام 1727.

كما أن التجربة السعودية تجربة ملهمة للعالم وفريدة في سياقها، فهي لم تتشكل في لحظة سياسية عابرة أو ظرف سياسي طارئ، بل عبر امتداد تاريخي طويل رسّخ ما يمكن وصفه بـ«شرعية الاستمرارية». شرعية سياسية تستند إلى تماسك الفكرة السياسية رغم السقوط المتكرر، وقيادة استمرت رغم الانقطاع. فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر على يد الإمام محمد بن سعود، تشكلت معادلة حكم التف حولها المجتمع واستمرت حتى سقوطها عام 1818. غير أن السقوط لم يكن نهاية الفكرة ولا القيادة، إذ عادت الدولة في صورتها الثانية على يد الإمام تركي بن عبد الله، ثم تأسست الثالثة عام 1932 على يد المغفور له الملك عبد العزيز. ثلاث دول قامت في أزمنة متباينة، وفكرة واحدة استمرت وظلت متماسكة، وقيادة ظلت محور الالتفاف الاجتماعي وحافظت على خيطها السياسي الناظم عبر التحولات. وبالتالي فالدولة التي تعود بعد السقوط ثلاث مرات لا تكون ابنة لحظتها، بل ثمرة شرعية متجذرة تتجاوز الانقطاع وتستعصي على الزوال.

إلا أن هذه الشرعية المتجذرة في التاريخ لا يمكن أن تكتمل إلا إذا تحولت إلى بناء دولة حديثة ومعاصرة. فالاستمرارية لثلاثة قرون؛ نعم تمنح الدولة جذورها وشرعيتها، لكنها لا تمنحها مكانتها. وبالتالي منذ تأسست الدولة السعودية الثالثة على يد المغفور له الملك عبد العزيز بدأت مرحلة ترسيخ الكيان وبناء مؤسساته. وعلى امتداد عهود أبنائه من بعده حتى عهد الملك عبد الله، تشكلت ما يمكن تسميته «شرعية الإنجاز»؛ شرعية قامت على بناء الدولة الحديثة، وترسيخ أجهزتها، وتوسيع قاعدتها الاقتصادية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. فانتقلت هذه الدولة الحديثة من كيان ناشئ في مطلع القرن العشرين إلى واحدة من أكبر عشرين اقتصاداً عالمياً خلال أقل من قرن. فعضويتها في مجموعة العشرين، وتقدمها في مؤشرات التنافسية العالمية، وحضورها المؤثر في أسواق الطاقة والمال؛ لم يكن قفزة مفاجئة، وإنما كان امتداداً طبيعياً لفكرة الإنجاز التي تقاس بالنتائج وتترجم في الواقع.

ومع عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وإطلاق «رؤية 2030» بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، دخلت الدولة مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم تعد تتوقف عند حدود الإنجاز المتراكم، وإنما أعادت صياغة العقدين الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وبصورة استباقية. فمع تشابك وتعقد الاقتصاد الدولي والتغيير في موازين الطاقة العالمية والتحول التكنولوجي الكبير، أصبح من الصعب أن تبقى الدولة أسيرة لنموذج اقتصادي وإداري معين مهما تراكم الإنجاز، وأصبح من الضروري إعادة تعريف المسار ذاته. ومن هذا السياق يمكن فهم «رؤية 2030» على أنها أسست لما يمكن تسميته شرعيةَ التحول. تحول هيكلي في بنية الدولة. تحول من إدارة مورد واحد وهو النفط، إلى إدارة نموذج متنوع قائم على الاستثمار والصناعة والخدمات والتقنية والسياحة. كما أن «الرؤية» إعادة تعريف دور الدولة من مشغّل ومموّل مباشر للنمو إلى ممكن ومنظم ومحفّز، يفتح المجال للقطاع الخاص والمجتمع ليكونا شريكين في الإنتاج وصناعة الفرص. والأهم أنها جاءت في لحظة استقرار، لا استجابة لأزمة اقتصادية أو سياسة داخلية؛ ما يجعلها تحولاً استباقياً لا ضرورة تفرضها الظروف. وعليه تكون شرعية التحول هي امتداد طبيعي لشرعية الاستمرارية وشرعية الإنجاز لا قطيعة معهما.

وأخيراً حين نحتفل بيوم التأسيس، وربطاً لما قيل، فإننا لا نستعيد لحظة في الماضي فحسب، بل نستحضر مساراً متصلاً من الاستمرارية إلى الإنجاز، ثم إلى التحول. فهذه الدولة والقيادة التي صمدت ثلاثة قرون، وأثبتت قدرتها على البناء والتأثير، تؤكد اليوم مع «رؤية السعودية 2030» بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قدرتها على التجدد والتكيف وصناعة المستقبل. وهنا يكمن سر الإلهام في التجربة السعودية؛ وهو عمق تاريخي يمنحها جذورها، وإنجاز يرسخ مكانتها، وتحول يصنع مستقبلها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد