الأسبوع الماضي، في مؤتمر صحافي عقد في لندن، وقف رئيس حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج أمام مكبر صوت، وقدم للحاضرين من اختارهم من حزبه ليكونوا رجال الصف الأول، استعداداً لتسلم راية الحكم، وليكونوا وزراء حكومته المقبلة. فاراج لم يكتفِ بذلك بل أضاف أن حكومته حالياً هي حكومة الظل، وأن حزبه هو حزب المعارضة الرئيسي.
ذلك الإعلان ذكَّرني بما يحدث في ليبيا من وجود حكومتين؛ واحدة في غرب البلاد وأخرى في شرقها. كلتاهما تدّعي الشرعية وتفتقر إليها. الفرق بين الاثنتين أن الأولى تحظى باعتراف المجتمع الدولي والأخرى (تلوي في الفراغ).
في بريطانيا، وفقاً لإعلان فاراج مؤخراً هناك حكومتا ظل. واحدة شرعية ممثلة في حزب المحافظين وأخرى ممثلةً ادِّعاءً في حزبه.
في العُرف السياسي البريطاني، فإن اسم «حكومة الظل» يُطلق حصراً على الفريق السياسي الذي يجلس في البرلمان قبالة مقاعد الحكومة. وعلى هذا الأساس، يُعدّ حزب المحافظين في الدورة البرلمانية الحالية هو حزب المعارضة الرئيسي (116 مقعداً برلمانياً)، والمخوّل رسمياً بتشكيل «حكومة ظل» معترف بها، تُسمى «حكومة ظل صاحب الجلالة»، ويحصل أعضاؤها على مرتب شهري إضافي مقابل مهامهم.
حكومة ظل فاراج المزعومة، أعضاؤها لا يزيدون عن عدد أصابع اليد الواحدة. يقتسمون فيما بينهم أكثر من ضعف عددهم من الوزارات. علماً بأن حزب فاراج (حزب الإصلاح البريطاني) يحتل 8 مقاعد برلمانية فقط. فاراج لا تغيب عنه هذه الحقيقة، لكن فاراج هو فاراج لا يمكن تغييره. وما فعله لم يجرؤ حزب «الأحرار الديمقراطيين»، ثالث أكبر حزب، على فعله (72 مقعداً برلمانياً).
نعم، حالياً، ومنذ أشهر، حزب نايجل فاراج يتقدم بالنقاط على الحزبين الرئيسيين (العمال والمحافظين). الاستطلاعات تشير إلى 29 نقطة لـ«الإصلاح»، مقابل 19 نقطة لـ«العمال»، و16 نقطة لـ«المحافظين». ومن المحتمل كذلك، وفقاً لتكهنات المعلقين، أن يحقق نجاحات في الانتخابات المحلية المقبلة في شهر مايو (أيار)، وقد يفوز أيضاً في الانتخابات التكميلية في مانشستر يوم 26 فبراير(شباط) الجاري. وكل ذلك لا يمنحه حق الادعاء المذكور أعلاه، إلا في حالة واحدة، وهي إجراء انتخابات برلمانية، وحصوله على الترتيب الثاني في عدد المقاعد البرلمانية، أي العدد الذي لا يسمح له بتقلد منصب رئيس الحكومة وتشكيل حكومة، لكن يمنحه ونواب حزبه حق الجلوس في المقاعد البرلمانية المقابلة للحكومة تحت قبة البرلمان، والحظو بلقب حكومة الظل رسمياً.
تتكون «حكومة الظل» التي أعلنها فاراج منه شخصياً ومن أربعة أشخاص آخرين؛ اثنان منهم من الوجوه المعروفة سابقاً في دوائر حزب المحافظين، وشغلا مناصب وزارية في ثلاث حكومات سابقة، قبل أن يتركا الحزب الشهر الماضي وينضما إلى فاراج. والحقيقة أن أحدهما مطرود من حزب المحافظين، وهو «روبرت جينريك» الذي عيَّنه فاراج وزيراً لظل الخزانة. السؤال عن إمكانية انفراط عقد حكومة ظل فاراج المزعومة من بقائه ليس صعب الإجابة.
تجارب السنوات الماضية برهنت على أن نايجل فاراج ليس «لاعب فريق» بل مستحيل أن يكون واحداً. فحزب «الإصلاح» البريطاني حزبه، وكان إلى وقت قريب مسجلاً باسمه في وثائق سجلات الشركات البريطانية. وعُرف في الساحة البريطانية بكونه «حزب الرجل الواحد»، والباقون معه ليسوا سوى «جوقة أو إكسسوار» يمكن لفاراج التخلص منهم في أي لحظة بطردهم. وفاراج يدرك ذلك، بل اعترف به صريحاً خلال مؤتمره الصحافي الأخير حين قال إن الحزب خرج الآن من دائرة «حزب الرجل الواحد»، زاعماً أنه لو صدمته حافلة في اليوم التالي ومات فإن الحزب سيستمر من بعده. وهو كلامٌ لا يصدقه مَن يعرفون نايجل فاراج. فحين تسطع الأضواء على المسرح، لا يسمح فاراج لأحد بأن يكون في مركزها سواه.
من ناحية أخرى، فإن ظهور حزب «الإصلاح» بوجوه «مستعارة» من التيار اليميني المتشدد لحزب «المحافظين»، وبسجلات موثَّقة في الانفلات وعدم الانضباط الحزبي، لن يساعد كثيراً على إقناع ناخبي حزب «العمال» مثلاً بالتصويت له، بل من المتوقَّع أن يتجه هؤلاء بأصواتهم إلى حزب «الخضر» اليساري. أضف إلى ذلك أن أصوات اليمين عموماً ستنقسم بين «المحافظين» و«الإصلاح»، مما يقلل فرص نجاح الطرفين.
تمتلك الأحزاب التقليدية (العمال والمحافظين) تاريخاً طويلاً وجذوراً عميقة، وهي تشبه آلات ضخمة تدار بكوادر وخبراء ويلتفّ حولها مصالح وممولون ماليون وأنصار ينتشرون في كل أرجاء بريطانيا. وبالتالي فإن القفز فوق كل تلك الإمكانات والتاريخ الموثق والمعروف ليس سهلاً أو ممكناً على حزب يدير غرفة عملياته رجل واحد.

