في مرحلة الاهتزاز الكبير التي هي هذه المرحلة، يراقب العقل بقلق ما يفرِّق وما يجمع، في محاولته إدراك المسار وتوقّع المصير. ظواهر كثيرة تفرِّق، تتراكم أمام الناظر إليها من النافذة الأولى، «نافذة الاضطراب». أن تكون الكيانات الوطنية في المشرق، على اختلاف أنظمتها وأنماط حكمها، بعد أكثر من قرن على سقوط السلطنة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى، لم تستطع نقل بلدانها من حال الجماعات المتفرّقة إلى حال الأفراد - المواطنين، ولا أحد يمكنه الجزم بأن ذلك سيحدث يوماً. فمسارات التطوّر والتحوّل ليست واحدةً في جميع الثقافات والمجتمعات، كما كان يعتقد روّاد الأنثروبولوجيا الثقافية في القرن التاسع عشر، حيث كان «المثال الأوروبي»، الأكثر تقدّماً في العالم، هو النموذج الحضاري، الذي ستصل إليه في نهاية المطاف، وإن بسرعة متفاوتة، كلّ المجتمعات البشرية. لكن الفكر الأنثروبولوجي الحديث، منذ أوائل القرن العشرين، لم يعد يأخذ بالنظرية التطوّرية، بعد أن نزع عن «المثال الأوروبي» صفة النموذج، وأدرك خصوصية كلّ من المجتمعات والثقافات الأخرى، وضرورة احترام هويّاتها المختلفة ومسارات التطوّر الخاصة بها.
لكن ما هو مسار التطوّر الذي ستسلكه مجتمعات المشرق على المدى الأبعد؟ ليس من قدرة على الإجابة عن هذا السؤال. وإذا كانت طالعتنا من «نافذة الاضطراب»، قبل أي أمر، ظاهرة الجماعات، الدينية والمذهبية والإثنية والقبلية والمناطقية، فلأنها هي مصدر التوتّرات الداخلية الدائم، الذي تغذيه التدخلات الخارجية. وصراع الجماعات، في أبعاده السياسية والعسكرية والآيديولوجية والنفسية، هو مصدر آلام هذه الكيانات جميعها ومصدر هواجس ومخاوف أقوامها، ومحاولاتهم الدؤوبة والعنيفة للسيطرة بعضهم على بعض، وما ينتج عن كل ذلك من تنكيل وقمع وعدم استقرار وهدر طاقات وإفقار وتخلّف ودوران في الحلقة التاريخية المفرغة نفسها.
وإذا أخذنا الحالة اللبنانية مثالاً، نجد أن صراع الجماعات كان مصدر كل المآسي، منذ ظهور الكيان اللبناني الأول قبل 165 عاماً حتى الآن. والنزاع الكبير المتوالي فصولاً بين المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي في لبنان، بمختلف أشكاله، العثمانية والوحدوية السورية والوحدوية البعثية والناصرية، وأخيراً الإيرانية الإسلامية، كان يتجسّد دوماً في الصراع المرير بين الجماعات. ولولا استمرارية تركيبة الجماعات حتى اليوم، وليس الأفراد - المواطنين، لما استطاعت الثورة الخمينية في إيران التسرّب، عبر الجماعة المتعاطفة معها، إلى قلب الكيانات اللبنانية والعراقية واليمنية والسورية، وتأجيج تناقضاتها.
إذا كانت ظاهرة الجماعات هي المهيمنة على «نافذة الاضطراب»، فما المهيمن، في الجهة المقابلة، على «نافذة التلاقي»؟ إنه الفنّ. ظاهرة الفنّ هي الأساس في مشاهدات التلاقي. فما يفرّق هو صراع الجماعات، وما يجمع هو الفن. الفن بكل تجلّياته الأدبية والتشكيلية والموسيقية والغنائية. وإذا بقينا في الحالة اللبنانية، نجد أن تراثاً مثل تراث الرحابنة وفيروز، على سبيل المثال، خلق ويخلق من الروابط ومن مساحات التلاقي بين جماعات المدى اللبناني ما لم تستطع فعله آلاف الكتابات والخطب عن «الوحدة الوطنية» خلال مائة عام. فالغناء يصيب وجدان الجماعات في أعماقه، في وعيه ولا وعيه، وفي كافة أبعاد ذاته ومكامنها الخفيّة، ناسجاً بينها وشائج وجودية غير مرئية، غير قابلة للجدل والأخذ والردّ ومحاولات الإقناع والإقناع المضاد، غير الواصلة إلى مكان، التي تصطدم بها وتدور حولها من دون جدوى الطروحات السياسية. وشاء القدر في الأشهر الأخيرة أن تفقد السيدة فيروز ولديها، الموسيقار المجدد المبدع زياد وشقيقه هلي، الماثل في طفولته الأبدية. كان واضحاً في ظلّ هذين الحدثين المأسويين مدى التلاقي المؤثر في وجدان الجماعات اللبنانية، التي تفرّق وتباعد بينها هواجس المرحلة المضطربة.
وصدف في هذا الوقت عينه أن برز برنامج تلفزيوني أسبوعي عن رقصة الدبكة اللبنانية، تشارك فيه فرق من مختلف الأنحاء، من النبطية جنوباً إلى إهدن شمالاً، مروراً ببرجا وعين عنوب والعبّادية وبعلبك ودير الأحمر، حيث تبرز وحدة التراث الشعبي بأبهى حلّة من جبل عامل إلى جبل الشوف إلى سهل البقاع إلى جبل لبنان القديم، الذي أعطى لهذه البلاد اسمه. ورقصة الدبكة، الآتية من أقاصي الذات الجماعية وتقاليدها المتوارثة الأعمق، هل تطلّ «نافذة التلاقي» على ما هو أكثر دلالةً منها؟
مجرّد أمثلة لا أكثر... على أمل أن يبلسم الفن جراح السياسات والحروب في علاقة الجماعات بعضها ببعض، وأن يكون «الجمال الذي سينقذ العالم»، كما ذكر الأمير ميشكن في رواية دوستويفسكي، هو نفسه الذي سينقذ لبنان ومجتمعات المشرق.

